السيرة التاريخية والسيادية لمطار القليعات (2/3)
لم تكن منشآت مطار القليعات في عهد الاستقلال مجرد مساحة عقارية منسية في أطراف الشمال، بل كانت تختزن في باطن تضاريسها المستوية إمكانيات استراتيجية هائلة تنتظر اللحظة السياسية والتاريخية المناسبة لتتحوّل إلى درع وطني حصين. ومع تصاعد حدّة الصراع العربي - الإسرائيلي في منتصف ستينيات القرن العشرين، ودخول المنطقة آتون حرب الاستنزاف والضربات الجوية الخاطفة، أدركت الدولة اللبنانية أن مفهوم السيادة الوطنية يظل منقوصاً ما لم يمتلك الجيش ذراعاً جوية ضاربة وقواعد ارتكاز تكتيكية قادرة على ردع أي عدوان. وفي هذه الحلقة، نكشف بالوثائق والأرقام كواليس التحوّل البنيوي الأبرز في تاريخ المطار؛ عندما تسلّمته المؤسسة العسكرية رسمياً عام 1966 من شركة نفط العراق الإنجليزية (IPC)، وحوّلته بجهود هندسية جبارة ودعم دولي متعدد إلى «قاعدة القليعات الجوية»، التي احتضنت السلاح الردعي الأثمن والأخطر في تاريخ لبنان: سرب طائرات «الميراج» النفاثة ومنظومة الرادارات الفائقة الذكاء.
• السيادة تقصي الامتيازات الأجنبية: كواليس تسلّم المطار (1966)
مع مطلع العام 1966، وإبان عهد الرئيس شارل حلو، نضجت في أروقة وزارة الدفاع الوطني وقيادة الجيش رؤية عسكرية تخصصية قادها كبار ضباط القوات الجوية. قضت هذه الرؤية بضرورة إنهاء الحقبة اللوجستية القديمة التي كان المطار يُدار فيها كمنشأة خاصة تابعة لشركة النفط البريطانية، وتحويله إلى قاعدة عسكرية سيادية تامة. لم يكن القرار ترفاً، بل أملته معطيات الأمن القومي؛ فقاعدة «رياق الجوية» في البقاع باتت مكشوفة جغرافياً وقريبة من الجبهات، بينما كان مطار العاصمة بيروت يستغرق كلياً في حركته المدنية المتنامية، مما جعل جبهة الشمال والساحل اللبناني بأكمله بلا غطاء جوي رادع.
دخلت الحكومة اللبنانية في مفاوضات قانونية وعقارية مع إدارة شركة IPC، أسفرت عن استعادة الدولة للموقع بالكامل ووضع يد المؤسسة العسكرية على مساحته الشاسعة البالغة 5.5 ملايين متر مربع. ولم يكد يمر عام واحد على هذا التسلّم حتى وقعت واقعة «نكسة حزيران» عام 1967، والتي أحدثت صدمة في العقيدة الدفاعية اللبنانية، حيث اتخذت قيادة الجيش قراراً فورياً بدمج القاعدة الجوية الجديدة في خطط الدفاع التكتيكي المشترك.
صُيغت المخططات التوجيهية للجيش لتبدأ ورشة بناء أشغال عسكرية عملاقة غير مسبوقة في محافظة الشمال؛ شملت بناء مجمعات سكنية محصنة للضباط والطيارين والفنيين، وشق شبكة أنفاق ومستودعات ذخيرة سرية تحت الأرض، وبناء مخازن وقود طائرات ضخمة ومحمية بجدران خرسانية مزدوجة ضد القصف المدفعي والجوي. تميزت هذه المرحلة الهندسية بالاعتماد على شراكات دولية نوعية؛ حيث تولت البعثات الفنية الفرنسية الإشراف على المراحل الأولى للتجهيز التكنولوجي واللوجستي ليتطابق المطار مع معايير الطيران النفاث الأوروبي، تلتها في مطلع السبعينيات تحديثات تخصصية أميركية ركّزت على تطوير أنظمة الاتصال اللاسلكي المشفر والدعم الفني الأرضي، مما جعل قاعدة القليعات مع نهاية الستينيات واحدة من أرقى وأحدث القواعد العسكرية الجوية في حوض المتوسط الشرقي.
• معجزة الهندسة العسكرية: المدرّج المزدوج والتحدّي التقني
تحددت القيمة التكتيكية العليا لقاعدة القليعات من خلال النجاح الهائل الذي حققته سلاح الهندسة في الجيش اللبناني بالتعاون مع الاستشارات الهندسية العالمية، حيث تم استغلال الطبوغرافيا المستوية والفريدة لسهل عكار لتصميم منشأة طيران بالغة الجودة وفق أعلى المواصفات القياسية الدولية، وتوزعت هذه التجهيزات على محورين تقنيين أساسيين:
1. هندسة المدرج الرئيسي والموازي: تم تمديد وتأهيل المدرج الرئيسي للقاعدة وتدعيمه بطبقات إسفلتية وخرسانية بالغة السماكة والكثافة لتبلغ أبعاده 3200 متر طولاً و60 متراً عرضاً، وهو رصيف هندسي صُمم خصيصاً ليتحمل الأوزان والضغط الهائل الناجم عن هبوط وإقلاع الطائرات النفاثة المقاتلة فائقة السرعة، فضلاً عن طائرات الشحن العسكرية العملاقة. ولم تقف العبقرية الهندسية عند هذا الحد، بل جرى تسيير مدرج ثانٍ موازٍ تماماً للمدرج الرئيسي وبنفس الطول (3200 متر)، ليعمل كممر تدحرج آمن وكبديل تكتيكي فوري في حال تعرض المدرج الأساسي لأي ضربة جوية معادية، مع ربطه بهنغارات صيانة محصنة وموزعة بعناية. والمذهل في جغرافية هذا الموقع، أنه يتيح هندسياً تمديد المدرج بـ 400 متر إضافية ليتجاوز 4000 متر بكل سهولة ومن دون الاضطرار لإزالة أي عائق عمراني أو جدار طبيعي.
2. ثورة رادار الـ G.G.A: لضمان جهوزية القاعدة على مدار الساعة وفي كافة فصول السنة، زُودت القليعات بمنظومة رادار فرنسية-أميركية متطورة جداً من طراز (G.G.A) - Ground Guided Approach (نظام التقارب الأرضي الموجه). شكل هذا الرادار طفرة تكنولوجية مذهلة في تلك الحقبة؛ إذ يملك القدرة على رصد وتوجيه المقاتلات بدقة متناهية وإصدار أوامر الهبوط الآلي والإقلاع وسط أسوأ الظروف المناخية، وانعدام الرؤية الأفقي، والعواصف الرملية أو الضبابية الكثيفة التي تشتهر بها السواحل أحياناً، دون الاعتماد على القيادة البصرية للطيار، مما جعل القاعدة منيعة تكنولوجياً وقادرة على إدارة العمليات الدفاعية في أحلك الظروف الطقسية.
• أسرار سرب «الميراج 3»: السلاح الردعي الذي هزّ الأجواء
لا يمكن ذكر قاعدة القليعات الجوية دون الاقتران بأكثر الصفحات إثارة وسرية في تاريخ العسكرية اللبنانية؛ وهي صفقة شراء طائرات «الميراج 3» (Mirage III) الفرنسية الصنع، والتي عقدتها الدولة اللبنانية في عهد الرئيس شارل حلو وبإشراف مباشر من قائد الجيش العماد إميل بستاني. كانت طائرات الميراج في ذلك الوقت تمثل ذروة التكنولوجيا الهجومية والردعية النفاثة في العالم، وحصول لبنان عليها شكّل قفزة استراتيجية أثارت قلق ومتابعة الدوائر الاستخبارية الإقليمية. ولأن هذه الطائرات تتطلب شروط أمان فائقة السرية ومدرجات فائقة الجودة، تقرر حرصاً على سلامتها جعل قاعدة القليعات المقر الحصري والبيت الدافئ لهذا السرب الردعي الثمين.
في نيسان من العام 1968، رأت القليعات هبوط أولى طائرات الميراج اللبنانية المرقطة بالألوان العسكرية، والتحق بالقاعدة رسمياً «السرب النفاث الأول» الذي ضم نخبة الطيارين والمهندسين اللبنانيين الذين خضعوا لدورات تدريبية مكثفة وقاسية في فرنسا على فنون القتال الجوي والمناورة واختراق حاجز الصوت والصيانة المعقدة للمحركات النفاثة من طراز Atar. استقرت هذه الطائرات داخل «الهنغارات المحصنة» المعزولة التي شُيدت تحت الأرض، وتم تزويدها بأنظمة تذخير سريع ووقود نفاذ يتيح للمقاتلة الإقلاع الاعتراضي في غضون دقائق معدودة من صدور إنذار الخطر.
تحوّلت قاعدة القليعات بين عامي 1968 و1975 إلى ركيزة العقيدة الدفاعية الجوية اللبنانية؛ حيث انطلقت من مدرجها العكاري مئات الطلعات التدريبية والاعتراضية لحماية الأجواء الوطنية، وتأمين الحدود البحرية والبرية، وردع الطيران المعادي الذي كان يحسب ألف حساب لسرب الميراج اللبناني. وإلى جانب الميراج، احتضنت القاعدة أسراب مروحيات الهليكوبتر من طراز «ألوويت» (Alouette) وطائرات النقل العسكري الخفيف، ليتحول سهل عكار بفضل هذا المرفق السيادي من بقعة زراعية هادئة إلى مركز ثقل عسكري تكنولوجي يقود القوات الجوية اللبنانية بامتياز واحترافية دولية شهدت لها الأكاديميات العسكرية، قبل أن تعصف بالبلاد رياح الحرب الأهلية المظلمة عام 1975 وتتبدّل الأولويات الوطنية.
- يتبع: محراب الجمهورية الثانية ومعادلة الخلاص: من طائرات «البوينغ» وسط النيران إلى وثيقة الطائف






