بيروت - لبنان

اخر الأخبار

22 حزيران 2026 12:40ص ديبلوماسية النيران: الجنوب في «أسر» مهلة الـ 60 يوماً بين واشنطن وطهران

حجم الخط
في منتجع بورغنشتوك السويسري الهادئ والمطوّق بسكينة بحيرة لوسيرن، انطلقت أمس الأحد العجلات الفنية للمحادثات الأميركية - الإيرانية المباشرة وغير المباشرة. يأتي هذا الحراك الدبلوماسي المكثف كمولود قيصري لـ«مذكرة تفاهم واشنطن وطهران» التي وُقّعت يوم الأربعاء الماضي إثر اتصالات شاقة، والتي دشّنت رسمياً سقفاً زمنياً ضاغطاً مدته 60 يوماً كمهلة اختبار حرجة لإبرام تسوية كبرى وشاملة، تُنهي حرباً إقليمية طاحنة دامت قرابة أربعة أشهر متواصلة.
لكن، وخلافاً لآمال التهدئة الفورية التي وُعدت بها شعوب المنطقة في متن المقترح، وبعد أن تأخرت هذه الجولات الفنية من يوم الجمعة الماضي بسبب رفض طهران المبدئي للجلوس قبل تثبيت الأرض، يبدو أن هذا السقف الزمني تحول سريعاً إلى حقل ألغام مشتعل في جنوب لبنان. فالحديث خلف الأبواب المغلقة عن التفاوض لم يعنِ إطلاقاً إخماد المدافع في الميدان؛ بل إن «ستاتيكو» المواجهة الراهن فرض تحويل الجغرافيا الجنوبية بضفتيها: الإيرانية بالوكالة والإسرائيلية بالأصالة، إلى مسرح مفتوح وعنيف لـ«التعزيز بالنيران»، حيث يسعى كل طرف، بالذخيرة الحية والمناورات القاسية، إلى تحسين شروطه وموقعه التفاوضي والسياسي قبل صياغة ومراجعة المسودة النهائية للاتفاق.
• تفخيخ الطاولة: الجنوب
 كـ«رافع تفاوضي» لطهران
رغم الجهود الحثيثة والدعاية المكثفة التي تبذلها إدارة دونالد ترامب لتسويق هذا التقارب كإنجاز تاريخي يضمن أمن الممرات المائية وكبح الطموح النووي الإيراني، فإن طهران تقرأ المشهد من زاوية مغايرة تماماً، مرتكزة على نفوذها الإقليمي كأقوى ورقة حسم تملكها على طاولة بورغنشتوك. هذا الالتصاق تجلّى بوضوح في المقاربة الصارمة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي سارع إلى رهن انطلاق المحادثات الفنية باستقرار الوضع اللبناني، معتبراً البند الأول من مذكرة التفاهم والمتعلق بوقف إطلاق النار الشامل والثابت ممراً إلزامياً وتأشيرة عبور لا غنى عنها لولوج أي ملفات أخرى.
ولم تتأخّر طهران في ترجمة هذا الموقف الدبلوماسي إلى لغة الضغط الخشن والقاسي؛ إذ أقدم الحرس الثوري الإيراني على خطوة تصعيدية غير مسبوقة بإعلان إعادة إغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي أمام حركة الملاحة البحرية، رداً على ما وصفه بمواصلة إسرائيل شنّ هجمات دامية واغتيالات مستمرة في جنوب لبنان وعمقه.
تتعامل إيران مع جبهة الجنوب بوصفها «ميزان ردع وتوازن قوى»؛ فكلما حاولت واشنطن فرض شروط مشدّدة أو لوّحت بـ«العودة إلى خيارات العقوبات الخانقة»، تحرك الجنوب اللبناني عبر عمليات «حزب لله» لإيصال رسالة مدوية بأن استقرار الشرق الأوسط ممرُّه الإلزامي طهران.
• المصلحة الإسرائيلية: استغلال المهلة لفرض وقائع ديموغرافية وعسكرية
على الطرف المقابل من المشهد، تقف تل أبيب بعين التوجس، الريبة، والشعور بالخذلان أمام هذا التقارب الأميركي - الإيراني المفاجئ والسريع. وترى الحكومة الإسرائيلية في مهلة الـ 60 يوماً فرصة زمنية أخيرة ومحدودة لفرض حقائق ميدانية وجغرافية جديدة على الأرض قبل أن تكبّلها الاتفاقات والقرارات الدولية العتيدة. من هنا، يمكن فهم الضراوة غير المسبوقة للغارات الإسرائيلية المتواصلة والمكثفة؛ إذ تسعى إسرائيل بوضوح إلى تفريغ القرى الحدودية بالكامل وصناعة «حزام أمني بالنار» يمتد لما تسميه «الخط الأصفر» العازل.
ورغم أن التقارير الأمنية رصدت وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار في الجنوب جرى تنسيقه برعاية ضاغطة من واشنطن دون انسحاب إسرائيلي كامل من المواقع العسكرية المتقدمة، وأبلغ فيه الجيش الإسرائيلي القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) بالتزامه بالهدنة لاحتواء التوتر المتصاعد، إلّا أن الخروقات الإسرائيلية المتكررة والمقترنة بالقصف المدفعي في بلدات الخيام وبنت جبيل جعلت هذا الاتفاق الخجول هشّاً وعلى شفا الانهيار، وهو ما يفسر المقاومة الشرسة والاشتباكات العنيفة التي خاضها حزب لله في محيط تلة علي الطاهر بالنبطية، لقطع الطريق على محاولات التثبيت الإسرائيلية، وتبرير المطالبة الإيرانية بضمانات دولية صارمة ومكتوبة.
تدرك حكومة بنيامين نتنياهو المأزومة أن واشنطن تحاول جاهدة فصل المسار اللبناني - الإسرائيلي عن الملف الإيراني الأشمل لسهولة الحل. لذلك، تلجأ إسرائيل إلى استراتيجية «الدبلوماسية الهجومية» عبر اختراق الهدنات وقصف العمق، لتوجيه رسالة مباشرة وصادمة لإدارة ترامب: أي اتفاق مع طهران لن يمنح «حزب لله» صك أمان أو شرعية بقاء على الحدود الشمالية.
• معادلة تحسين المواقع بالنيران
خلال هذه المهلة الحرجة والخطيرة، يدخل الجنوب اللبناني والشمال الإسرائيلي في حلقة مفرغة من العنف المرتد الذي تحكمه معادلات دقيقة وحسابات معقدة. المحور الإيراني يتحرك ميدانياً بذكاء عبر الصواريخ الدقيقة، الطائرات المسيّرة الانقضاضية، مشترطاً وقف النار بهدف حماية البنية التحتية لـ«حزب لله» وتثبيت شرعية وجوده وسلاحه كعنصر ثابت وغير قابل للنقاش في أمن المنطقة المستقبلي ككل.
في المقابل، يصرّ الجانب الإسرائيلي على تكتيك الأحزمة النارية التدميرية، وتعميق التوغل البري لفرض منطقة عازلة خالية تماماً من السلاح والمظاهر المسلحة، كشرط وحيد لضمان عودة مستوطني الشمال تحت مظلة تفوق عسكري إسرائيلي مطلق وناجز. وبين الطرفين، يجد الوسيط الأميركي نفسه محاصراً ومجبراً على تقديم ضمانات أمنية واقتصادية لطهران، والضغط لوجستياً وسياسياً على تل أبيب لمنع انهيار الاتفاق برمّته.
• الجلسة الطارئة: آلية تتبع الانتهاكات تحت المجهر
لم يعد الجنوب اللبناني مجرد تفصيل صغير أو بند فرعي على هامش الأجندات الكبرى؛ بل بات يمثل اليوم قلب الأزمة النابض ومفتاح الحل والربط. والدليل القاطع على ذلك هو تصدّر الملف اللبناني لجدول أعمال اليوم الأول من المباحثات الأميركية - الإيرانية في سويسرا، حيث فرضت التطورات الدراماتيكية الميدانية إدراج «جلسة طارئة» مخصصة في الساعات الأولى لبحث الخروقات المستمرة لوقف إطلاق النار والحد منها.
وبحسب مصادر دبلوماسية رفيعة واكبت طباخي المفاوضات في سويسرا، فإن النقاش الفني والمعمق يتركز الآن على صياغة «آلية دولية صارمة لتتبع الانتهاكات الميدانية، وتحديد الطرف البادئ بإطلاق النار»، لمعالجة معضلة التداخل الميداني وغياب اليقين حول مصادر النيران والاتهامات المتبادلة. هذه الجلسة الطارئة والمفاجئة تعكس التلازم العضوي والكامل بين المسارين السياسي والميداني؛ إذ بات واضحاً لجميع أطراف النزاع والوسطاء أنه لا يمكن تحقيق أي خرق حقيقي أو تقدم ملموس في ملف اليورانيوم المخصب أو فتح شرايين الاقتصاد الإيراني المتعب، ما لم يتم تثبيت ركائز الهدنة ووقف نزيف الدماء في الجنوب اللبناني أولاً كأولوية قصوى.
• الجنوب «الأسير»
في نهاية المطاف، يجد جنوب لبنان نفسه اليوم ضحية لـ«سباق مسافات قصيرة» عنيف ودموي بين لغة الدبلوماسية الأنيقة وهدير النيران الصاخبة في الوديان والتلال. فإيران لن تخلي هذه الساحة الحيوية أو تتنازل عن أوراق قوتها قبل قبض ثمن سياسي، أمني، واقتصادي مجزٍ وثمين في سويسرا، وإسرائيل في المقابل لن تكبح آلتها العسكرية وتوقف غاراتها ما لم تضمن يقيناً أن الاتفاق الأميركي - الإيراني العتيد لن يشكّل «كارثة استراتيجية» بعيدة المدى لأمنها القومي وحدودها.
بين هذه الحسابات الدولية والإقليمية العابرة للحدود والقارات، ستبقى الـ 60 يوماً المقبلة إن فُعّلت رسمياً واستوفت الشروط فترة اختبار دموي شديد القسوة والضراوة على جغرافيا الجنوب اللبناني وسكانه، الذي يواصل دفع فاتورة «تحسين المواقع التفاوضية» بالذخيرة الحيّة من أمنه، استقراره، وبنيته التحتية، ودماء أبنائه.