أوحت الأجواء التي سادت عقب عرض التقرير الشهري للجيش في مجلس الوزراء، وإصرار رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون على عدم الخوض في نقاش مهلة إنتهاء حصرية السلاح، والإكتفاء بالموافقة على مهلة شهر لوضع خطة للمرحلة الثانية، بأن ما أنجز حتى الآن قد يكون كافياً لتحقيق الحد الأدنى من التوازن في المعادلة الميدانية القائمة بين لبنان وإسرائيل. لكن عشرات الغارات اليومية التي استهدفت العمق اللبناني بعد جلسة الحكومة سرعان ما بدّدت هذا الانطباع، مؤكدةً بما لا يقبل الشك أن لإسرائيل قراءة أخرى وجدول أعمال مختلف.
يتجاوز تأكيد الجيش بسط سيطرته العملانية على منطقة جنوب الليطاني، بما يعنيه ذلك من «عودة الأمن والاستقرار إلى الحدود الجنوبية ومنع استخدامها نهائيًا منطلقًا لأي أعمال عسكرية»، المقاربات الكمية التي سادت سابقًا في مقاربة مسألة حصرية السلاح. يرتقي هذا التأكيد إلى مستوى إشهار التزام مزدوج: التزام داخلي أمام اللبنانيين بالدفاع عن لبنان وفقًا لأحكام قانون الدفاع الوطني، والتزام خارجي أمام المجتمعين الدولي والإقليمي بتحمّل المسؤولية القانونية الكاملة عن ضبط الحدود الدولية. غير أنّ الرهان الحاسم لا يكمن فقط في توسيع نطاق هذه السيطرة العملانية لتشمل كامل الأراضي اللبنانية، بل في تحويلها من حالة ظرفية مرتبطة بسياق أمني استثنائي إلى حالة مستدامة. ويقتضي ذلك تمكين الحكومة، عبر أجهزتها الأمنية والقضائية، من إنفاذ القانون بصورة متكاملة، بما يستتبع إلزام جميع الأحزاب والتنظيمات، على اختلافها، بالإعلان الصريح عن حلّ أجنحتها العسكرية والانخراط الحصري في العمل السياسي ضمن الأطر الدستورية والقانونية.
ما أفضت إليه جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، شأنها شأن سابقاتها ، جاء نتيجة تقاطع مجموعة من المعطيات: أول هذه المعطيات دولي ويتمثّل باتّفاق وقف إطلاق النار وتطبيق حصرية السلاح إضافة الى الضغوط الدولية والإقليمية التي تدفع باتّجاه التنفيذ. يليها المعادلة الداخلية اللبنانية التي تتّسم بانقسام واضح إزاء حدود التنفيذ وآلياته، بما في ذلك موقف حزب الله ومن خلفه طهران وهو ما انعكس في امتناع الحكومة عن إقرار جدول زمني لإنجاز حصرية السلاح. أما المعطى الأخير فتعبّر عنه الضربات الإسرائيلية المتواصلة التي تحظى بموافقة أميركية بما لا يترك هامشاً يعتّد به لأية تفسيرات أو اجتهادات محلية أو دولية لابتكار مسارات جديدة لتنفيذ الإتّفاق.
التقاطع المشار إليه هو ما أفضى إلى تنفيذ متدرج للإتفاق على وقع عدوانية إسرائيلية متصاعدة بدأت مع التمسك باحتلال النقاط الخمس وتركيز معظم الضربات الجوية في جنوب الليطاني، لينتقل المشهد في الأيام المنصرمة إلى المنطقة الواقعة بين نهر الليطاني ونهر الأولي بالتزامن مع إعلان الجيش سيطرته العملانية على جنوب الليطاني.
معطيان إضافيان دخلا بالأمس وبقوة إلى الساحة اللبنانية:
المعطى الأول ميداني، وقد عبّرت عنه الضربات الكثيفة والنوعية للطيران الإسرائيلي التي طالت قرى في قضاء جزين ومحيط قرى في قضاء النبطية، إلا أنّ الإستهداف الأبرز تمثّل في قصف مجمّع سكني في بلدة كفرحتى في قضاء صيدا بحيث لم تفلح محاولات الجيش بمواكبة من قوات اليونيفيل في منعه. لقد قدمت التطورات في قرى جزين وصيدا نموذجاً لما سيكون عليه الوضع الميداني في الأسابيع المقبلة، لا سيما أن المنطقة التي تعرضت للإستهداف هي نقطة التواصل الأقرب والأهم بين البقاع والجنوب، وإن خروجها عن نطاق سيطرة حزب الله سيشكل نقطة تحوّل في مسار تطبيق حصرية السلاح كما سيقطع الطريق بشكل نهائي على امكانية استعادة الحزب لقدراته. وتزداد حراجة هذا المسار مع مهلة الشهر المعطاة للجيش لإعداد خطته وإستئناف عمله في شمال الليطاني، مما يعني إعطاء إسرائيل حرية عمل مطلقة في المنطقة المذكورة.
أما المعطى الثاني، فقد تجلى في مواقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أول التي عبّر عنها أول من أمس في حديثه لتلفزيون لبنان. هذه المواقف كانت الأهم والأكثر وضوحاً على مستوى الرسائل التي وجهها الرئيس، سواء نحو الداخل اللبناني وبالتحديد لحزب الله، أو نحو المجتمعين الإقليمي والدولي المعنيين بالوضع اللبناني. لقد بدت مواقف الأمس أشبه بإنقلاب سياسي واضح على النهج الإستيعابي الذي طبع مقاربة الحكومة لملف حصرية السلاح والتي لم يقابلها حزب الله سوى بالمزيد من التعنت. وفي سابقة لافتة، سمّى الرئيس الرئيس عون حزب الله بــ» الطرف الآخر» طالباً منه التعقل ووضع يده بيد الدولة، معتبراً في موقف غير مسبوق أن سلاحه «أصبح عبئًا على بيئته وعلى لبنان ككل، مؤكداً أن حماية الشعب والأرض مسؤولية الدولة وداعيًا الحزب إلى قراءة الظروف الإقليمية والدولية بواقعية».
آثر عون في كلمته الإنضمام إلى وجدان غالبية اللبنانيين وتغليب هواجسهم على منطق آخر خسر كل مسوّغاته على مستوى الداخل، فيما باتت أعباء مرجعيته الإقليمية تتجاوز قدرة لبنان على الإحتمال. وقد أسهمت مواقف عون ومستجدات الميدان في شمال الليطاني، في تضييق الهوامش الزمنية التي كان حزب الله يعوّل عليها لإنتاج مخرج «لائق» لسلاحه، واضعةً الحزب أمام اختبار جدي لقدرته على التحوّل والتكيّف مع معادلة لبنانية جديدة، في إقليم بات تحكمه قواعد مختلفة وموازين قوى متبدّلة.
وفي هذا السياق، تعمّد عون قطع الطريق على أي محاولة قد يلجأ إليها فريق حزب الله لإعادة تكييف مواقفه أو ربطها باستحقاقات مقبلة، فكان حاسمًا في تأكيد دوره الدستوري بوصفه حكمًا بين السلطات لا طرفًا في النزاع السياسي. وإذ شدّد على أنه لا يمتلك حزبًا سياسيًا، وأنه سيعود إلى قريته عقب انتهاء ولايته الرئاسية، فإنما أسقط مسبقًا كل محاولات الإلتفاف على مواقفه، سواء عبر إغراءات تشكيل كتلة نيابية موالية، أو عبر التلويح بإمكان تمديد الولاية الرئاسية، مؤكدًا أن مقاربته تنبع من موقع الرئاسة ومسؤولياتها الدستورية حصراً.
ينطوي إعلان الرئيس عون رغبته في العودة إلى «العيشية» على دلالات تتجاوز بكثير رمزية الإنسحاب الطوعي من الحياة السياسية. فهو لا يعبّر فقط عن خيار شخصي بعد انتهاء الولاية، بل يعكس إصرارًا سياسيًا – سياديًا على إعادة الجنوب إلى كنف الدولة، وملاقاة تطلعات الجنوبيين التوّاقين إلى عودة آمنة ومستقرة إلى قراهم. وفي هذا المعنى، يغدو تطبيق قرار نزع السلاح خطوة تأسيسية على طريقٍ ممتد من بعبدا إلى العيشية، طريق عنوانه استعادة الدولة لولايتها الكاملة على أراضيها، وترسيخ معادلة الأمن الشرعي بوصفها المدخل الوحيد لعودة الحياة الطبيعية إلى الجنوب.
* مدير المنتدى الإقليمي للدراسات والإستشارات