إن ما يجري في منطقة الشرق الأوسط لا يمكن قراءته كسلسلة أحداث متفرقة، بل هو تفاعل بنيوي معقد بين موازين قوى دولية غير متكافئة، تتقاطع فيه التكنولوجيا العسكرية المتقدمة مع التفوق الاستخباراتي والقدرة على إدارة حروب مركبة، تتداخل فيها الأبعاد العسكرية بالسياسية والاقتصادية والنفسية في آن واحد. وفي هذا السياق، تبدو الولايات المتحدة الأميركية وقد حسمت خيارها الاستراتيجي في تأمين تفوق نوعي شامل لإسرائيل، عسكريا وماليا ولوجستيا وسياسيا، في حين يقوم تموضع كل من روسيا والصين إلى جانب إيران على منطق التوازن الجيوسياسي ومواجهة النفوذ الغربي، لا على أسس أيديولوجية صرفة قادرة على بناء أحلاف حقيقية.
هذا التشابك ينتج نمطا من الصراعات يمكن وصفه بحروب الوكالة، غير أن الخلل الجوهري فيها يكمن في التفاوت الهائل في أدوات القتال. فبينما ترتكز الاستراتيجية الإيرانية على الاستنزاف الطويل عبر الأذرع المنتشرة في ساحات متعددة، يعتمد خصومها على الحسم السريع المسند بتكنولوجيا متفوقة وقدرات استخباراتية دقيقة وكثافة نيران هائلة. وفي مثل هذا الاختلال البنيوي، تميل النتائج، في أغلب الأحيان، لصالح الطرف الأقدر على استثمار التفوق التقني وتحويله إلى مكاسب ميدانية سريعة.
على المستوى الإقليمي، لم تقتصر الاستراتيجية الإيرانية، منذ عام 1979، على تحصين النظام الداخلي، بل اتجهت نحو تصدير نموذجها السياسي-العقائدي، مستندة إلى بنية معقدة من شبكات النفوذ العابرة للدول. وقد تجلى ذلك في دعم وتشكيل كيانات مسلحة تشبه الجيوش الرديفة، ترتبط بها عقائديا وتنظيميا وتمويلا وتدريبا، ما أفضى إلى إضعاف مفهوم الدولة الوطنية، وتشظي الولاءات داخل الكيان الواحد. ولم يبق هذا النهج في إطار الدفاع، بل اتخذ بعدا تدخليا واضحا، حيث استخدمت ساحات عربية مختلفة كمنصات صراع خادمة لأولويات السياسة الإيرانية، بما في ذلك استهداف مرافق حيوية في دول الخليج العربي، والتلويح بإغلاق ممرات بحرية حساسة كمضيقي هرمز وباب المندب، وهو ما يحمل في طياته مخاطر جدية على الأمن الاقتصادي العالمي.
ويتضاعف وقع هذه السياسات حين نقارنها بمسار مواز سعت فيه دول الخليج إلى التهدئة والانفتاح تجاه إيران دون جدوى، وكان آخر تلك المبادرات قبيل الحرب الحالية، ما جعل الفجوة بين الطرفين أوسع، وأدى إلى تآكل الثقة، وامتداد التداعيات إلى المجتمعات العربية، بما فيها الفئات العاملة في الخارج، التي وجدت نفسها أحيانا أسيرة توترات لا ناقة لها فيها ولا جمل.
أما على مستوى الميدان، فإن الحروب التي أدارتها إيران بالواسطة مع إسرائيل أظهرت بوضوح الفارق بين الشعارات والنتائج. في قطاع غزة، أفضت المواجهة إلى دمار واسع في البنى التحتية، العسكرية والمدنية، من دون تحقيق مكاسب استراتيجية مستدامة، بل أضعفت القدرات القتالية للفصائل وأتاحت توسيع السيطرة الميدانية لصالح إسرائيل. وفي اليمن، تحول الصراع إلى استنزاف مزمن أرهق المجتمع وقوض مقومات الدولة. أما في لبنان، فقد أدى الانخراط في المواجهة تحت عنوان «الإسناد» إلى كلفة باهظة: دمار، نزوح، خسائر بشرية ومادية، وإعادة إنتاج وقائع أمنية كان يفترض أنها طويت وتم تجاوزها، وأضحى من الأولى التفرغ لمعالجة الأزمات الاقتصادية والمالية والمصرفية ومعالجة الهموم المعيشية اليومية للمواطنين الذين حرموا من مدخراتهم.
وفي موازاة ذلك، لم تبق إيران بعيدة عن الارتدادات، بل تم نقل المعركة إلى عقر دارها، حيث تعرضت خلال فصلين من القتال لضربات مباشرة عسكرية شاملة غير مسبوقة من حيث الحجم ونوعية الأسلحة المستعملة وقدراتها التدميرية، طالت الاستهدافات بناها العسكرية والمرافق المدنية الحيوية، وأظهرت ثغرات أمنية عميقة، ما يثير أسئلة جدية حول جدوى الرهانات الاستراتيجية المعتمدة.
مع تسارع الأحداث، دخلت المواجهة مرحلة اللاعودة، واتسع نطاقها ليشمل جبهتي إيران ولبنان تحت شعارات تصعيدية متباينة، بعضها يفتقر إلى معيار استراتيجي واضح. إذ يتضح أن إقحام حزب الله في هذه المواجهة لم يحدث أثرا حاسما في مسار الصراع داخل إيران، بل أسهم في توسيع دائرة الخسائر وتعميق حالة الانكشاف الاستراتيجي، لا سيما مع توسيع نطاق الاستهداف ليطال مرافق حيوية في دول الخليج العربي ومناطق في كردستان العراق. وفي المقابل، تكرس تفوق استخباراتي واضح لصالح إسرائيل وداعميها، ما منحها القدرة على إدارة المعركة بفعالية أعلى.
في خضم هذا المشهد، برز لبنان كأحد أكبر المتضررين، لا بحكم الجغرافيا إنما بفعل هشاشته الداخلية، بحكم تنوع مكوناته الوطنية، ولكونه دولة تواجه أزمات اقتصادية ومالية ومؤسساتية خانقة، وجدت نفسها أمام أعباء حرب غير مجمع عليها سياسيا وشعبيا، ودمار يفوق قدراتها على الاستيعاب، ونزوح يستنزف ما تبقى من إمكاناتها.
وبدلا من توحيد الموقف الوطني لمواجهة التحديات، برز منحى تصعيدي اعتمد خطاب التخوين ورفض أي نقاش موضوعي في جدوى الانخراط في حرب غير متكافئة. وقد تجلى ذلك في مواقف عدائية تجاه مبادرات الدولة الرامية إلى خفض التصعيد، سواء من خلال الطرح المتصل بمفاوضات مباشرة برعاية الولايات المتحدة الأميركية، أو باتخاذ قرارات تهدف إلى حصر السلاح بيد المؤسسات العسكرية النظامية. وهو ما عكس، في جوهره، أزمة عميقة بين منطق الدولة ومنطق الفاعلين خارج إطارها، في وقت نجد فيه لبنان بأمس الحاجة إلى تغليب خيار دولة المؤسسات والقانون.
والأخطر من كل ذلك، يكمن في أن إقحام لبنان في هذه المواجهة لم يكن نتاج قرار وطني جامع، بل خيارا أحاديا متفردا، أعاد طرح إشكالية السيادة واحتكار قرار السلم والحرب. وهي إشكالية لم تعد مسألة نظرية، بل أصبحت في صلب أي نقاش جدي حول مستقبل الدولة ومستوجبة للتطبيق على أرض الواقع.
وأغرب ما في الأمر أن ما يفاقم الأزمة لا يقتصر على الفعل بحد ذاته فحسب، بل يتمثل في الخطاب التنفيري الذي يواكب الأحداث. فبدلا من أن يطالب قادة حزب الله بفتح نقاش وطني هادئ حول جدوى الخيارات وتكلفتها كبادرة حسن نية لإطلاع شركائهم في الوطن على هواجسهم، ودوافعهم الحقيقية خلف الانخراط في الحرب، تراهم يستعيضون عن الحوار بالتخوين، وعن المراجعة بالإنكار، وعن السياسة بلغة التهديد والوعيد. وهنا مكمن الخلل الأعمق، حيث أنه عندما يصبح الاختلاف في الرأي موضع اتهام، يتحول النقاش من وسيلة تصحيح إلى أداة انقسام.
إن أية مقاربة وطنية واقعية تقتضي الإقرار بأن الحروب غير المتكافئة تحمل في طياتها كلفة مضاعفة على الطرف الأضعف، خصوصا إذا كان هذا الطرف دولة مثقلة بالأزمات، وأن الإنخراط في لغة المحاور والتطاول على الأشقاء سينعكس سلبا على أبنائنا العاملين في دول الخليج العربي، وبينهم كثر من الطائفة الشيعية الكريمة، كما على فرص تلقي الدعم المالي لمقتضيات اعادة الاعمار. ومن هنا نقول، إن دعوتنا لإجراء نقد ذاتي لا تنتقص من أي مكون من المكونات الوطنية وبخاصة حزب الله، بل تشكل شرطا لحمايته من المزيد من الخسائر والضياع الذي لا تقتصر مضاره عليه، إنما تطال ما يعتبره بيئته الحاضنة والوطن ككل، وهذا طبيعي عند افتقار الخيارات إلى حسابات دقيقة مجردة من العواطف.
لقد آن الأوان لأن يعي الجميع أن ربط لبنان بمحاور إقليمية، في تعارض مع بيئتنا العربية، لم ينتج إلا مزيدا من العزلة وإضعاف موقعنا التفاوضي، في وقت نحن بأمس الحاجة إلى دعم خارجي حماية لوجود لبنان كدولة ذات سيادة، وتمهيدا لمسيرة النهوض وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، خاصة وأننا لا نملك ترف الاستمرار في دوامة الإنكار. فإما أن نختار مسار الدولة، بما يعنيه من سيادة مكتملة الفهم، واحتكار للسلاح، وإدارة رشيدة للقرار الوطني، وإما أن نبقى بلدنا ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.
إن دعوة أي مكون سياسي أو طائفي للقيام بعملية نقد ذاتي ليس فيها انتقاصا، بل إن التقييم الذاتي وتقويم الأداء تشكلان عاملين من أهم عوامل النجاح، هذا بالإضافة إلى أنهما في هذه الظروف الحرجة أضحيا ضرورة وطنية ملحة، باعتبارهما منطلقا لتصحيح المسار، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة، وبناء توافق وطني يقوم على المصارحة لا المزايدة، وعلى الحوار لا التخوين والجمع بدلا من التفريق، ذلك لأن لبنان بتنوعه وغناه الثقافي وانفتاحه الحضاري أعرق من أن يزج به في أي محور من المحاور الدولية أم الإقليمية، وأسمى من أي رهان خارجي. ومستقبله لن يبنى إلا بإرادة جامعة لكل مكوناته. ونحن كلبنانيين مطالبين اليوم أكثر من أي وقت مضى لتبني خيار الحياة مشروعا جامعا، والدولة مرجعية نهائية، والنقد الذاتي سبيلا للنجاة.