بيروت - لبنان

اخر الأخبار

25 تشرين الثاني 2025 12:20ص بين المطرقة الإسرائيلية والسندان الإيراني..

حجم الخط
يحمل اغتيال رئيس أركان حزب الله، هيثم الطبطبائي، في الضاحية الجنوبية، دلالات تتجاوز البُعد العسكري المباشر. فهذه العملية النوعية ليست مجرد اختراق أمني جديد، بل إعلان إسرائيلي صريح بأن مرحلة «الضربات الموضعية» انتهت، وأن تل أبيب تحاول أن تتعامل مع الحزب ومؤسساته وقيادته كهدف مفتوح لا تحكمه أي خطوط حمراء. الأخطر أن الاغتيال جاء بعد خطاب لافت للأمين العام لحزب الله أكد فيه «طمأنينة» إلى وضع المستوطنات، وكأن إسرائيل قررت أن تردّ برفض كلامه بأعمال عسكرية مكثّفة داخل بيئة الحزب.
لكن هذا التصعيد لا يمكن فصله عن عامل آخر، لطالما كان محورياً في تقديرات الحرب والسلم: الدور الإيراني. فإسرائيل تعتبر أن نفوذ طهران هو المحرك الأعمق لتموضع الحزب وقراراته، وترى أن الضغط على حزب الله هو جزء من معركة أكبر هدفها كسر الذراع الإقليمية لإيران، أو على الأقل دفعها إلى حدود انكفاء تكتيكي في لحظة تفاوضية ضاغطة. 
وفي المقابل، تبدو إيران حريصة على تجنّب حرب شاملة في لبنان، لكنها تستخدم الجبهة اللبنانية كأداة توازن إقليمي تمنع تل أبيب وواشنطن من فرض وقائع سياسية على طهران في ملفات أكثر حساسية: من المفاوضات النووية إلى مستقبل العراق وسوريا.
الاغتيال يُعتبر جزءاً من حرب رسائل مركّبة: إسرائيل تريد إظهار قدرتها على اختراق العمق الأمني لحزب الله، وإيران تريد إبقاء الحزب في موقع «الرد المحسوب» الذي يحفظ هيبتها من دون التورط في حرب تستنزفها. أما لبنان فغائب قسراً عن معادلة أكبر منه بكثير، فيما اللبنانيون يعيشون على وقع إحساس متصاعد بأن غيوم الحرب السوداء تلوح في الأفق القريب.
التصريحات المتتالية للمسؤولين الإسرائيليين — عن ضرورة «تفكيك البنية العسكرية للحزب» و«إعادة الأمن إلى الشمال» — ليست مجرد خطاب انتخابي داخلي وحسب، بقدر ما هو قرار استراتيجي يميل إلى توسيع العمليات العسكرية. ومع كل عملية اغتيال أو قصف، تتقلص المسافة بين «الاشتباك المحدود» و«الحرب الشاملة». وفي ظل هذه الدينامية الخطيرة، يصبح أي خطأ في الحسابات كفيلاً بإشعال مواجهة جديدة.
الواقع أن لبنان، المثقل بأزماته الاقتصادية والاجتماعية، يقف مرة أخرى على حافة السيناريو الأكثر كارثية، من دون قدرة على التدخل أو حتى التأثير. فحين تتقاطع الحسابات الإسرائيلية مع الحسابات الإيرانية فوق الساحة اللبنانية، يصبح البلد مجرد مسرحٍ لحربٍ لا يملك قرارها.