فاروق غانم خداج*
سيرة كاتب حوّل الهامش الاجتماعي إلى شهادة أدبية
في المشهد الأدبي اللبناني، لا تُقاس قيمة التجارب دائماً بمدى حضور أصحابها في المؤسسات الثقافية أو حجم تداول أعمالهم، بل كثيراً ما تنبع من الأصوات التي خرجت من أطراف المجتمع، حيث تتشكل الكتابة من الاحتكاك المباشر مع قسوة الحياة اليومية. ضمن هذا الإطار، يبرز اسم الكاتب والصحافي علي حسين خداج (1916–1982)، ابن بلدة كفرمتى في قضاء عاليه، الذي نشأ يتيماً، ودخل مبكراً عالم المطابع في بيروت، حيث تعرّف إلى الحروف بوصفها أداة عمل قبل أن تصبح وسيلة تعبير أدبي.
هذه النشأة لم تكن تفصيلاً ثانوياً، بل شكّلت الأساس الذي بُنيت عليه رؤيته للعالم، وجعلت كتابته لاحقاً أقرب إلى التوثيق الاجتماعي منها إلى التخييل المنفصل عن الواقع. فالتجربة المباشرة مع العمل الشاق والحرمان الاجتماعي صنعت لديه حساسية خاصة تجاه الطبقات المهمّشة، وهو ما انعكس في مجمل إنتاجه الأدبي.
«مذكرات يتيم»: من السيرة الفردية إلى الشهادة الاجتماعية
في عام 1959، أصدر خداج عمله الأبرز «مذكرات يتيم»، وهو نص يقف على الحد الفاصل بين السيرة الذاتية والرواية الاجتماعية، لكنه يتجاوزه ليأخذ شكل شهادة إنسانية عن طبقة عاشت خارج مركز الاهتمام في المجتمع اللبناني خلال منتصف القرن العشرين.
لا يكتفي النص بسرد تجربة شخصية، بل يقدّم مشهداً اجتماعياً واسعاً يشمل الأيتام والعمال وصغار الكسبة، أي أولئك الذين شكّلوا البنية الصامتة للاقتصاد الاجتماعي في تلك المرحلة. وتأتي لغته مباشرة ومكثفة، خالية من الزخرفة، لكنها مشبعة بطاقة ناتجة عن تجربة معيشة لا عن بناء تخييلي، ما يجعل السرد أقرب إلى أثر الذاكرة منه إلى صناعة الأسلوب.
كمال جنبلاط وقراءة الأدب كمرآة اجتماعية
تتخذ هذه التجربة بُعداً إضافياً من خلال المقدمة التي كتبها المفكر والزعيم اللبناني كمال جنبلاط لكتاب «مذكرات يتيم»، في خطوة غير مألوفة ضمن العلاقة بين السياسي والأدب في تلك الحقبة. هذه المقدمة لم تتعامل مع النص بوصفه عملاً أدبياً فقط، بل بوصفه وثيقة تكشف بنية اجتماعية قائمة على التفاوت.
وجاء فيها، وفق ما وثقته نسخة الكتاب المعروضة في موقع «دار الفرات»:
«هذه القصة لعامل بسيط من عمال الحياة تروي لنا ما يتكلفه الرجل العادي - الفقير البسيط - في بلد البرجوازية التجارية والمالية وأرباب الملايين...».
بهذا التوصيف، يتحوّل النص إلى قراءة نقدية للواقع الاجتماعي، حيث لا يعود «العامل البسيط» فرداً معزولاً، بل نموذجاً لفئة كاملة أنتجتها شروط اقتصادية غير متكافئة.
امتداد التجربة بين الأدب والفعل الاجتماعي
لم يقتصر حضور علي حسين خداج على كتاب واحد، بل امتدّ إلى أعمال أخرى مثل «دماء على الفراش» (الذي أعيد نشره بعنوان «عابرة»)، إضافة إلى «وتر يبكي»، «فتاة الظلام»، و«ذئب تحت اللحاف». وعلى الرغم من تفاوت انتشار هذه الأعمال، إلّا أنها تلتقي عند اهتمام ثابت بالإنسان الواقع خارج المركز الاجتماعي، وبالشروط التي تنتج هشاشته اليومية.
وإلى جانب إنتاجه الأدبي، أسس في ثلاثينيات القرن الماضي «نادي سلطان» تيمّناً بـسلطان باشا الأطرش، ثم أطلق في ستينياته جمعية «تشجيع أرباب القلم» لدعم الكتّاب غير المعروفين. هذه المبادرات تكشف انتقاله من موقع المعايشة الفردية للحرمان إلى محاولة خلق فضاء اجتماعي وثقافي يتيح لغيره التعبير.
كتابة تُعيد تعريف الهامش
تجربة خداج تمثل نموذجاً لكتابة تنطلق من الهامش الاجتماعي لكنها لا تبقى فيه، بل تعيد إنتاجه بوصفه مادة سردية تحمل قيمة معرفية. في هذا السياق، لا تعمل الكتابة بوصفها تزييناً للواقع، بل بوصفها وسيلة لإعادة مساءلته، من خلال نقل التجربة من مستوى المعاناة الفردية إلى مستوى الوعي الجمعي.
في «مذكرات يتيم»، لا يُقدَّم الفقر كحالة عاطفية، بل كبنية يومية تُنتج شكلاً مختلفاً من الإدراك والعلاقة بالعالم، ما يمنح النص قدرة على الاستمرار في القراءة خارج سياقه الزمني.
* كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني