اجتماع السقيفة... المؤتمر التأسيسي لمواطنيّة المدنيّة المسؤولة
في المنعطفات الكبرى من تاريخ الأمم لا تتحدد المصائر بما تمتلكه الدول من قوة مادية فحسب بل بقدرتها على تحويل الأزمات إلى مؤسسات، والعواطف إلى قواعد والولاءات الشخصية إلى عقد اجتماعي يحفظ الجماعة من الانقسام ويؤسس لاستمرار الدولة.
وتُعد الساعات التي أعقبت وفاة الرسول صلى االله عليه وسلم واحدة من أخطر اللحظات السياسية في التاريخ الإسلامي. فقد فَقَدَ المجتمع الناشئ قائده المؤسس وانقطع الوحي ووجدت المدينة نفسها أمام فراغ سياسي غير مسبوق يهدّد وحدة الجماعة واستقرار الدولة الوليدة. وفي مثل هذه اللحظات كثيراً ما تنهار الدول وتتفكك المجتمعات وتتحول المنافسة على القيادة إلى صراع وجودي. غير أن ما جرى في المدينة المنورة كشف عن مستوى رفيع من الوعي السياسي والمسؤولية الجماعية. فقبل الانشغال بحسم مسألة الحكم، وقف أبو بكر الصديق رضي الله عنه موقفاً سيبقى من أكثر المواقف تأثيراً في بناء الوعي السياسي الإسلامي حين قال «من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت». لم تكن هذه الكلمات مجرد خطاب عزاء بل إعلاناً واضحاً عن انتقال المجتمع من الارتباط بالأشخاص مهما علت مكانتهم إلى الارتباط بالرسالة والمبدأ. لقد أعادت تعريف مصدر الشرعية ورسخت أن بقاء الأمة لا يقوم على خلود القادة بل على دوام القيم والمؤسسات التي يحملونها.
في هذا السياق يمكن فهم «اجتماع سقيفة بني ساعدة» بوصفه استجابة عاجلة لحماية الكيان السياسي أكثر منه تنافس على السلطة. فقد اجتمع الأنصار الذين احتضنوا الدعوة ونصروا الرسول صلى االله عليه وسلم فور إعلان وفاته ورأوا أن لهم فضلاً أساسياً في قيام الدولة، فتداولوا في مستقبل القيادة وبرزت بينهم صيغة تقوم على وجود «أمير منا وأمير منكم» في محاولة لتحقيق توازن بين المكونات الرئيسة للمجتمع الإسلامي. ثم حضر أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح ودار بينهم وبين الأنصار حوار سياسي اتسم بالوضوح والصراحة، تناول أسس القيادة ووحدة الدولة ومقتضيات المصلحة العامة. عرض كل فريق حججه ودافع عن رؤيته قبل أن يتجه النقاش نحو البحث عن صيغة تمنع الانقسام وتحفظ وحدة الجماعة.
ومن اللافت أن أبا بكر لم يبدأ بترشيح نفسه بل اقترح مبايعة عمر بن الخطاب أو أبي عبيدة بن الجراح، غير أن كليهما رفض معتبراً أن أبا بكر هو الأجدر بهذا المنصب لما امتاز به من سابقة في الإسلام وقرب من الرسول صلى االله عليه وسلم وثقة عامة بين المسلمين، وانتهى الاجتماع بمبايعته خليفة ثم استُكملت البيعة العامة لاحقاً، لتبدأ أول عملية انتقال للسلطة في الدولة وليتفرغ المسلمون بعد ذلك لتشييع نبيهم صلى االله عليه وسلم وقد استقرّت مرجعية الجماعة السياسية وفق معايير، قواعد وأخلاقيّة الشورى التي علّمهم إياها.
وبصرف النظر عن اختلاف المؤرخين في بعض تفاصيل السقيفة أو تباين قراءاتهم لهذا الحدث، فإن الثابت أنها مثلت أول محاولة عملية وناجحة لمعالجة انتقال السلطة بعد وفاة النبي صلى االله عليه وسلم، وعكست إدراكاً عميقاً لخطورة الفراغ السياسي وضرورة وجود مرجعية جامعة تحفظ وحدة المجتمع. وتكمن القيمة التاريخية لهذا الحدث ليس في أسماء الأشخاص بقدر ما تكمن في المنهج الذي كشف عنه، وهو الاحتكام إلى الحوار والتشاور وتحمل المسؤولية الجماعية والبحث عن شرعية سياسية تمنع الانقسام وتصون وحدة الدولة.
ومن هنا تتضح الصلة الوثيقة بين صحيفة المدينة واجتماع السقيفة. فقد أرست صحيفة المدينة أسس الجماعة السياسية القائمة على الحقوق والواجبات والتعددية والتعايش وسيادة القانون، بينما جاءت السقيفة لتؤكد أن هذا البناء لا يستقيم إلّا بوجود آلية تضمن استمرارية السلطة وإدارتها بصورة تحفظ وحدة المجتمع. وبهذا المعنى يمكن النظر إلى السقيفة باعتبارها امتداداً سياسياً لمنطق الدولة الذي أسسته صحيفة المدينة لا قطيعة معه.
تكشف هذه التجربة من منظور علم الاجتماع السياسي عن انتقال تدريجي من الشرعية الكاريزمية المرتبطة بالقائد المؤسس إلى شرعية تستند إلى التشاور والبيعة والقبول العام. ولا يعني ذلك أن التجربة كانت مطابقة لمفاهيم الدولة الدستورية الحديثة وأدواتها، لكنها تقدم نموذجاً مبكراً لكيفية إدارة مرحلة انتقالية بالبحث عن التوافق ومنع الفراغ السياسي. واليوم وبعد أكثر من أربعة عشر قرناً تبدو الحاجة ملحّة إلى استلهام هذا الدرس بروح العصر وأدواته لا بحرفية التاريخ، فالأزمة اللبنانية ليست أزمة غياب القيادات بل أزمة تغليب الأشخاص على المؤسسات والزعامات على الدولة، والطوائف على المواطنة والمصالح الفئوية على العقد الدستوري الجامع.
لقد آن الأوان للانتقال من الولاء للزعامات إلى الولاء للدستور ومن حماية المواقع إلى حماية المؤسسات، ومن تقاسم النفوذ إلى بناء دولة العدالة وسيادة القانون. فالعقد الاجتماعي اللبناني كما تجسّده مقدمة الدستور ينبغي أن يبقى المرجعية العليا التي يلتقي حولها جميع اللبنانيين، تماماً كما أدرك المسلمون الأوائل ضرورة المحافظة على وحدة جماعتهم السياسية في لحظة تاريخية بالغة الحساسية. وليس المقصود استنساخ نموذج تاريخي بل استلهام قيمه في تقديم المصلحة العامة، وصون الوحدة الوطنية والاحتكام إلى قواعد متوافق عليها.
إن الدولة الدستورية لا تُبنى بالخطب والشعارات بل بمواطن مسؤول يدرك أن الحقوق تقترن بالواجبات، وأن الديمقراطية لا تستقيم من دون مشاركة ومساءلة وأن التعددية ليست سبباً للانقسام بل مصدر قوة متى أحسن المجتمع إدارتها في إطار القانون. وهذا هو جوهر مشروع البناء الوطني الحديث، الانتقال من مجتمع الولاءات الضيقة إلى مجتمع المواطنة، ومن سلطة الأشخاص إلى سلطة المؤسسات، ومن العصبيات المغلقة إلى شراكة وطنية تقوم على الدستور والعدالة وسيادة القانون.
ولعلّ أعظم ما يمكن أن نتعلّمه من تجربة المدينة المنورة ومن صحيفة المدينة ومن اجتماع السقيفة، ليس شكل النظام السياسي في القرن السابع الميلادي، بل الفكرة المؤسسة التي جمعت هذه المحطات جميعاً، وهي أن بقاء الدولة مرهون بوجود مواطنية مسؤولة وقيم جامعة ومؤسسات قادرة على إدارة الاختلاف، وعقد اجتماعي يسمو على الأشخاص مهما عظمت مكانتهم.
وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه لبنان اليوم، الانتقال من دولة الزعامات إلى الدولة الدستورية ومن منطق المحاصصة إلى منطق المواطنة، ومن الانقسام العمودي إلى شراكة وطنية واعية تستلهم من تراثها أفضل ما فيه، وتبني مستقبلها بأدوات الدولة الحديثة ليبقى الدستور المرجعية العليا والعدالة أساس الحكم والمواطنية المسؤولة الركيزة التي يقوم عليها عمران لبنان الحضاري.






