بيروت - لبنان

اخر الأخبار

26 تموز 2025 12:00ص السَّلَامُ أَدَبُ الإِيمَانِ وَالجَوَابُ لُغَةُ الكِرَامِ

حجم الخط
د. غازي قانصو

مدخلٌ تربويٌّ

تتألّفُ المجتمعاتُ من مواقفَ صغيرةٍ تُكرَّرُ سلوكاتها، بالعادةِ، كلّ يوم، كلمةٌ تُقال، نظرةٌ تُرمى، تحيّةٌ تُلقى، أو تُهمَل...
وقد يغيبُ عن بعضنا أنَّ أبسطَ هذه السلوكات قد تكونُ مرآةً صافيةً لحقيقةِ الإنسان، ومِعياراً حقيقياً لقيمِه وإيمانه وتهذيبِه وتربيتهِ وآدابِه.
من هذه السلوكات: إلقاءُ السّلامِ، وردُّ الجواب.
فليس إلقاءُ السّلام هو مجرّد لُغةِ تواصُلٍ، بل هو سلوكٌ حضاريٌّ إنسانيٌّ، وفِعلٌ تربويٌّ، وموقفٌ وجدانيٌّ يُحدِّدُ موقعَ الإنسان من ذاته ومن غيره ومن اللهِ عَزَّ وجلَّ.

السّلامُ... خلقُ الإيمانِ لا مجرَّدُ تحيّةٍ

في منظومةِ التربيةِ الإيمانيةِ، لم يكن السّلامُ حركةَ لسانٍ فقط، بل هو تعبيرٌ عن نوايا القلوب، وهو إعلانُ أمانٍ وسكينةٍ ومحبة.
وهو في أصلِه بدايةُ بناءٍ للعلاقات الإنسانية، ووسيلةٌ تربويّةٌ رفيعةٌ تُربِّي في النفس التواضعً والاحتفاءً بالآخر واحترامَهُ.
قال اللهُ تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} (قرآن كريم، سُورةُ النساء: الآية 86).
وفي هذا التوجيه الإلهيّ دلالةٌ واضحةٌ على أنَّ «ردَّ السّلام» ليس ترفاً اجتماعيًّا، بل هُو فريضةٌ أدبيّةٌ ودينيّة، توجِبُ على المُؤمٍن أن يُكرِمَ أخاه كما أكرمَه، بل بأحسنَ وأفضل ممّا بدأَه به.

الجوابُ... مرآةُ الالتزامِ وَالرُّقيّ والوَعي

رَدُّ السّلامِ هو امتحانُ أدبٍ، لا يُفلِحُ فيه إلّا الكرام.
فمن يردُّ بأدبٍ، يُعلِّمُ الآخرين أنّ الكلمةَ الطيّبةَ هي تاجُ الأخلاق.
ومن يتجاهلُ السّلام أو يستهينُ به، يُفسِدُ النّسيجَ الإنسانيَّ في محيطِه، ويزرعُ في القلوبِ جفافاً قاتلاً.
وهنا تكمن المسؤوليّة الشّخصيّة التربويّة:
كيف نسمحُ لأنفسِنا، نحن أبناء الإيمانِ والكرامةِ، أن نُهمِلَ هذا الأدب الرفيع؟
كيف نربّي أجيالاً تتفاخرُ بالصّمتِ الجافّ، وتتجاهلُ التّحايا بدعوى الكبرياءِ أو الانشغال أو المزاح أو سوء الفهم أو اللامبالاة؟
هل نعي أنّ التهاون في السلام هو أوّلُ أبوابِ الجفاءِ، والقطيعة، وسوءِ الاتصال؟

حديثٌ مُلهِمٌ من مدرسةِ أهلِ البيت عليهم السلام

يقول الإمامُ جعفرٌ الصادقُ عليه السّلام، كما وردَ في «بحار الأنوار ج٧٥ / ص٢٦١»: «إنّ صِلةَ الرّحمِ والبِرَّ لَيُهوِّنَانِ الحِسابَ ويَعصِمانِ منَ الذنوب، فصِلوا إخوانَكم، وبرّوا إخوانَكم، ولو بحُسنِ السّلامِ ورَدِّ الجواب».
ففي هذا الحديثِ الشريفِ تأكيدٌ على أنّ السّلامَ وردّ الجوابِ ليسا مجرَّد مستحبَّات، بل هما من أبوابِ البرِّ وصِلةِ الرّحم، ولهما أثرٌ مباشرٌ في التخفيفِ من الحسابِ الإلهيّ، وحمايةِ الإنسانِ من الذنوب.

دعوةٌ لإحياءِ أدبٍ إيمانيّ إنسانيٍّ أصِيلٍ

مِنَ المُناسبِ جِداً أن تُدرَّسَ هذه المعاني في المدارسِ والجامعات، وأن تُربّى عليها الأجيالُ في البيوتِ، وأن تُكرَّس في الخطابِ الدينيِّ والثقافيِّ - الاجتماعي.
فما أحوَجَنا في زمنِنا الجافِّ هذا إلى إحياءِ أدبِ السّلامِ، وحُسنِ رَدِّ الجواب، وتهذيبِ اللقاءات اليوميّة بالمودّةِ والاحترامِ والتّقديرِ.