12 حزيران 2026 12:00ص المقاصد وبيروت.. ثنائية الوعي والهوية (10)

صائب سلام.. ذروة العصر الذهبي، المئوية التاريخية، وتأسيس الجامعة (1974–1982) صائب سلام.. ذروة العصر الذهبي، المئوية التاريخية، وتأسيس الجامعة (1974–1982)
حجم الخط
إذا كان النصف الأول من عهد دولة الرئيس صائب سلام في جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية ببيروت هو عهد النهوض والعصرنة وبناء الروافد الاستثمارية، فإن النصف الثاني الذي امتد ما بين عامي 1974م و1982م مثّل مرحلة الاختبار الأقسى والأعظم في تاريخ الجمعية بأكمله. فمع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، وانقسام العاصمة والبلاد، وتحول الشوارع إلى خطوط تماس ملتهبة، لم يهرب «البك» بالأمانة، بل خاض بالجمعية معركة وجودية شرسة للحفاظ على وحدتها، ومؤسساتها، واستقلاليتها السياسية والمالية تحت شعار المقاصد الثابت والمقدّس: «إيمانٌ، وعلمٌ، وعمل».
وفي قلب هذا المنعطف الدامي، تحوّلت المقاصد تحت قيادته إلى ما يشبه «الحكومة الأهلية الدافئة» لبيوت وعائلات المسلمين واللبنانيين كافة؛ فكانت المدارس تفتح أبوابها لتحدّي الجهل تحت القصف، والمستشفى يضمّد الجراح دون تمييز، والمطبعة توثق الهوية. وفي قلب هذه المحنة العاصفة، قاد صائب سلام المقاصد لتعبر مئويتها الأولى التاريخية التي امتدت ما بين 1878م و1978م، محوّلاً اليوبيل المئوي من مجرد احتفالية بروتوكولية إلى وثبة إستراتيجية كبرى توّجت بتشييد الصروح الكبرى وتأسيس جامعة المقاصد الإسلامية، لتظل الجمعية الحصن الذي لا يسقط، وعاصمة الوعي العروبي والمقاصدي التي لا تُهزم.

• الكلمة الصادقة 

في 9 آذار 1978م، وقف دولة الرئيس صائب سلام خطيباً في احتفالية مئوية المقاصد الكبرى، ليوجّه رسالته التاريخية الشهيرة الملقبة بـ «الكلمة الصادقة بعد مئة عام». في تلك الكلمة، لم يتحدث سلام عن الماضي والآباء المؤسسين فحسب، بل وضع النقاط على الحروف سياسياً ووطنياً، مؤكداً أن المقاصد ستبقى عربية الوجه والقلب، وإسلامية الجذور، ولبنانية الانتماء، وأنها ترفض التقسيم، والانعزال، والتبعية، وستبقى تفتح ذراعيها لجميع أبناء الوطن دون تمييز أو تفرقة.
أعقبت هذه المحطة التاريخية انتخاب صائب سلام لولايته السادسة والأخيرة على رأس الجمعية والتي امتدت ما بين عامي 1978م و1982م، وهي الولاية التي شهدت قرارات تنظيمية وعمرانية بالغة الأهمية، كان على رأسها انضمام لجنة تعليم أبناء المسلمين في القرى نهائياً إلى جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت عام 1978م؛ فبعد عقود من الإدارة الشبه مستقلة لتلك اللجنة المباركة التي رعاها عمر الداعوق ومحمد سلام، أصدر صائب سلام قراراً بدمجها دمجاً نهائياً كاملاً في الهيكل الإداري والمالي لجمعية المقاصد ببيروت، لتصبح كافة مدارس القرى أجزاءً أصيلة من جسم المؤسسة الأم، ترافق مع إطلاق النظام الداخلي الجديد وتحديث الإدارة تكنولوجياً وهيكلياً.

• التمدّد العمراني والتعليمي 

رغم أصوات المدافع والدمار المتنقل في شوارع بيروت، لم تتوقف ورشة الإعمار المقاصدية في أحياء العاصمة، بل شهدت ذروتها عبر افتتاح صروح نموذجية ضخمة أثبتت تمسّك البيارتة بالحياة والعلم؛ إذ جرى تشييد وافتتاح ثانوية الحسين بن علي للبنين في منطقة المصيطبة عام 1400هـ/ 1979م، لتكون معقلاً تربوياً حديثاً يخدم أبناء المنطقة والمناطق المجاورة بأعلى التجهيزات والوسائل التعليمية، وأعقبها في عام 1401هـ/ 1981م تشييد ثانوية عبد القادر قباني للبنات في برج أبي حيدر، كصرح معماري وتربوي فخم أُطلق لتكريس ريادة المقاصد في تعليم الإناث وتخريج جيل نسائي متسلح بالوعي والعلم والتربية الأخلاقية العالية.
ومَثّل العام 1981م عام الحسم والقطاف الإستراتيجي لجهود صائب سلام؛ إذ شهدت العاصمة في غضون أيام قليلة تلاحماً للمنجزات الروحية، والجامعية، والاستثمارية الشاملة. ففي 9 تشرين الأول 1981م، جرى افتتاح جامع الخاشقجي في منطقة قصقص، ليكون من أكبر مساجد العاصمة وأجملها عمارة إسلامية، ويتحول إلى مركز روحي جامع للبيارتة في السراء والضراء. وبعد ثلاثة أيام فقط، وتحديداً في 12 تشرين الأول 1981م، حقق صائب سلام الحلم الأكبر للجمعية بافتتاح جامعة المقاصد الإسلامية في بيروت رسمياً، لتضم تحت لوائها كليات التمريض، والعلوم الصحية، والدراسات الإسلامية، وتصبح المنارة الأكاديمية السيادية الأولى للمسلمين في لبنان.

• التطوير المؤسسي

ترافق هذا المنجز المعرفي الرفيع مع تدعيم البنية الاستثمارية الشاملة للجمعية عبر افتتاح مركز المقاصد التجاري في مار إلياس عام 1402هـ/ 1982م، ليصبح واحداً من أهم الأسواق والمراكز التجارية الحديثة في بيروت، ضامناً تدفق العائدات المالية لدعم منشآت الجمعية. وبلغت الاستشرافية الإستراتيجية مداها بشراء قطعة أرض عملاقة بلغت مساحتها ثمانون ألف متر مربع في منطقة الأوزاعي في أيلول 1981م لتكون احتياطاً عقارياً وتنموياً ضخماً للمشاريع المستقبلية الكبرى، بالتوازي مع تأسيس «دار المقاصد الإسلامية» للطباعة والنشر عام 1982م لدعم مجلتها ومطبوعاتها الفكرية الواسعة.
ولم يغفل سلام عن تطوير المؤسسات القائمة بالتوازي مع البناء الجديد؛ ففي عام 1394هـ/ 1974م أطلق ورشة مستدامة لتطوير مستشفى المقاصد وتجهيزه بأحدث غرف العمليات والعناية الفائقة ليصبح المستشفى الأول في بيروت الغربية خلال سنوات الحرب، وعمد إلى تطوير مطبعة المقاصد عام 1973م بأحدث آلات السحب، وافتتاح تعاونية المقاصد الاستهلاكية عام 1974م لتأمين المواد الغذائية بأسعار مدعومة لموظفي ومعلمي الجمعية في ظل الضائقة الاقتصادية. وعندما بلغت حرب السنتين والاجتياح الإسرائيلي لبيروت ذروته عام 1401هـ/ 1981م، أنشأ سلام منظومة «مكافحة المقاصد والدفاع المدني»، حيث تحول شباب الكشافة والمتطوعون المقاصديون إلى فرق إطفاء، وإسعاف، وإنقاذ، ومكافحة للحرائق، لانتشال الشهداء وإسعاف الجرحى من تحت الأنقاض وتوزيع المياه والمساعدات، مجسدين المعنى الحقيقي للمواطنة والصمود البطولي خلف خطوط النار في أصعب حقبة مرّت على تاريخ لبنان الحديث.

• تسليم الأمانة 

في عام 1982م، وبعد أربعة وعشرين عاماً من القيادة التاريخية المباشرة والعطاء الأرستقراطي الذي لا يعرف الكلل، ترجّل دولة الرئيس صائب سلام عن سدّة رئاسة جمعية المقاصد، مسلّماً دفّة القيادة والأمانة البيئية والوطنية ناصعة البياض، قوية البنيان، وعصيّة على الرياح، إلى نجله معالي الأستاذ تمام سلام، ليستكمل مسيرة الوعي والهوية.
لقد ترك صائب سلام وراءه المقاصد وهي ليست مجرد مدارس، بل جامعة، ومستشفى عملاق، ومراكز تجارية، ومنظومة أوقاف جبارة، والأهم من ذلك كله، ترك اسماً محفوراً بحروف من نور في وجدان بيروت وكل قرية وبلدة لبنانيّة، كقائد فذ صنع للمقاصد عصرها الذهبي الأجمل وحمى هوية الأمة في زمن الانكسار والتشرذم.

- يتبع في الحلقة الحادية عشرة: عهد تمام سلام..التحصين والصمود في وجه الانهيار