جمعية المقاصد رائدة التربية والتعليم في بيروت المحروسة
حجم الخط
شعر المسلمون في بيروت، في القرن التاسع عشر خاصة، أن الغزو الأوروبي الثقافي بدأ يجتاحهم، ورأوا ضرورة افتتاح مدارس خاصة بهم تحميهم من البعثات التبشيرية التي لم يقتصر نشاطها على جبل لبنان فحسب، وإنما امتد إلى قلب بيروت المحروسة. ولتزايد التخوف عند مسلمي بيروت ووقوع حالات من التنصير عند بعضهم، رأت مجموعة من المسلمين الغيورين ضرورة إنشاء «جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت» للاهتمام بالشؤون الثقافية والتربوية والتعليمية والدينية لأبناء المسلمين. وجاء في كراس الجمعية لسنة 1297هـ (الفجر الصادق): «اتحدت الهمم الشبانية في بيروت على تأليف جمعية إسلامية خيرية، فتم ذلك بالمساعدات الإلهية ليلة غرة شعبان المعظم لسنة خمس وتسعين ومائتين وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل التحية حيث اجتمعنا نحن أعضاؤها العجزة في منزل أحدنا السيد عبد القادر قباني، وهنالك تلا علينا أحدنا الشيخ سعيد الجندي الأحاديث الشريفة النبوية الآمرة بلزوم الاتحاد لخدمة الأمور الخيرية تعاهدنا على ذلك ووضع كل منا ما ألهمه الله به من النقود رأس مال لصندوقها وكتبنا لها تعليمات على شكل قانون لترتيب داخليتها واجتماعها ومذاكرتها وربط أمورها وأمضى منا بعد التعهد بإنفاذه ومراعاته، وقدمنا بذلك عريضة لجانب الحكومة السنية واستدعينا مساعداتها ليحيط علمها بعملنا الخيري. كما أننا بادرنا بطبع تلك التعليمات وعرضها على الحكومة والأمة. وبعد القبول والاتكال على الله سبحانه وتعالى ميسر الخير باشرنا بالأعمال فتوجهت خواطرنا لجعل أعمالنا الخيرية عمومية ينتفع عموم أبناء الوطن إلا أن ضيق ماليتنا وقلة إرادتنا وغنى بقية الطوائف عنا وشدة احتياج طائفتنا ومثل ذلك من الملاحظات جعلتنا نقتصر الآن على العمل بالقول الصادق: ابدأ بنفسك».
الاجتماع التأسيسي الأول
وعلى هذا، كان اجتماع الأول من شعبان 1295هـ– 16 تموز 1878م لجمعية المقاصد الخيرية التي تولى أول رئاسة لها الشيخ عبد القادر قباني، وأعضاؤها المؤسسون كانوا: أحمد دريان، بشير البربير، بديع اليافي، حسن بيهم، حسن الطرابلسي، حسن محرم، خضر الحص، راغب عز الدين، سعيد الجندي، سعيد طربيه، طه النصولي، عبد الله غزاوي، عبد القادر سنو، عبد اللطيف حماده، عبد الرحمن النعماني، محمود خرما، محمد ديه، محمود رمضان، مصطفى شبارو، محمد الفاخوري، محمد اللبابيدي، مصباح محرم، محمد أبو سليم المغربل وهاشم الجمال.
ورأت الجمعية منذ البداية أهمية إعداد «الفتاة المسلمة» وتعليمها، فكان الهم للمقاصديين الأوائل ضرورة افتتاح مدرسة للبنات المسلمات، ومما اتفق عليه المجتمعون وقتذاك: «فأخذنا في أول الأمر نبحث عن الأشد لزوماً لطائفتنا فوجدنا أن أحسن وسيلة لنشر المعارف فيها هو تعليم الإناث منها طرق التربية وما يحتجن إليه من العلوم والصنائع إذ هن المربيات الأول وعلى تقدمهن المعول فتذاكرنا بافتتاح مدرسة لهن». وبالفعل تبرع أعضاء الجمعية.... وافتتحوا مدرسة الإناث مجاناً فضمت ما يقارب 200 فتاة في منطقة الباشورة (كلية البنات حالياً) ثم افتتحت الجمعية مدرسة ثانية للإناث داخل البلد وضمت 250 تلميذة، ثم افتتحت مدرستين للذكور وضمت 400 تلميذ، الأولى في سوق البازركان (المحكمة العتيقة) والثانية في محلة الباشورة (في المكتب العسكري) وسعت الجمعية مع الحكومة العثمانية لتأمين منح لطلابها، وأرسلت «خمسة أولاد من نبهاء مدارس الجمعية إلى المدرسة الطبية المقامة في مصر من طرف الخديوية الجليلة». والطلاب الخمسة هم: كامل قريطم، عبد الرحمن الأنسي، محمد سلطاني، حسن الأسير، سليم سعد الدين سلام. وبدأت جمعية المقاصد تنمو في عهد رئيسها الأول الشيخ عبد القادر قباني، ببناء مدرستين في منطقة رأس النبع على أن يكون جامع أمامهما، كما قامت ببناء جامع في منطقة الأشرفية «فهو اليوم تام تقام فيه الصلوات» وأنشأت ثلاثة مخازن في أرض السمطية لتأجيرها واستثمارها لتطوير إيراداتها، كما عينت لجنة طبية لمداواة مرضى المسلمين الفقراء والإنفاق عليهم وخصصت ببعضهم مرتبات شهرية.
ومع نشاطات الجمعية، بات من الملائم أن تتفق مع الحكومة العثمانية لتغطية النفقات المتزايدة، وكان اتفاق بين جمعية المقاصد والحاكم الشرعي والوالي ومفتي بيروت، على أن تتسلم الجمعية بعض الأوقاف الخيرية غير المضبوطة أو المحلولة، ومن هذه الأوقاف: وقف الجبانات، وقف الشمع، أوقاف قفة الخبز، وقف سبيل السمطية، وقف سبيل الجامع العمري، أوقاف آل الجبيلي والطرابلسي ونجا والطيارة والحص وقريطم وحمود وآغا والقصار وقباني ورمضان واليافي ومنيمنة. كما سارع أهل الخير من المسلمين فتبرعوا للجمعية في شكل لافت، ووقفت السيدة عائشة بنت المرحوم الحاج مصطفى القباني دكاناً وريعه شرطاً لجلب الماء إلى جامع الأشرفية.
والحقيقة فإن جمعية المقاصد نمت نمواً مطرداً في فترة رئاسة الشيخ عبد القادر قباني في 1878 – 1879، فأشرف بنفسه على بنيان المدرسة السلطانية المعروفة باسم كلية البنات، وأدارها. ويبدو أن نجاح جمعية المقاصد وتقدمها السريع، والخلافات التي كانت بين الحكومة العثمانية في اسطنبول ووالي سوريا مدحت باشا المؤيد والداعم للجمعية، من جملة الأسباب التي جعلت المفسدين والحاسدين يتهمونها بأنها ليست خيرية، وإنما جمعية سياسية تعمل سراً في السياسة والإصلاح وتعمل علناً في التربية والتعليم، ما دعا الحكومة إلى إصدار فرمان لحل جمعية المقاصد ولما يمض على تأسيسها سوى ست سنوات. وكان ذلك في عهد رئيسها حسن محرم، ومن ثم ألحقت بالمعارف وسميت «شعبة المعارف الأهلية» في رئاسة القاضي الشرعي عبد الله الجمال، وذلك الفرمان كان بداية اضمحلال لدور الجمعية وتأخر مدارسها.
المقاصد ما قبل الحرب العالمية الأولى وما بعدها
واستمر الواقع الأليم للجمعية إلى عام 1907، وأراد لها الوالي خليل باشا نوعاً من عنايته فشكل لها هيئة منفردة، دون إدارة المعارف، وعين رئيساً لها عبد القادر الدنا، وراحت تشهد في هذه الفترة شيئاً من سابق عهدها. وفي عام 1908 وعندما أعلن الدستور العثماني شرع مسلمو بيروت يطالبون بإعادة افتتاح جمعية المقاصد الخيرية وإعادة موجوداتها، فأعادها الوالي الجديد ناظم باشا إلى المسلمين، وانتخب رئيساً لها العلامة الإمام عبد الرحمن الحوت. وما لبث أن استقال في السنة نفسها أي 1908، فكان رئيساً لها الشيخ مصطفى نجا. وفي 1909 رأسها سليم علي سلام واختار أعضاء جدداً للجمعية منهم: عبد القادر قباني، محمد فاخوري، سليم الطيارة، عمر الداعوق، عبد الباسط الأنسي، محيي الدين الخياط، بدر دمشقية، عبد القادر جارودي، عارف دياب، جميل بيهم. ونظم سليم سلام مع الإدارة الجديدة قانوناً جديداً للجمعية وقدمه إلى الولاية وطلب الاعتراف بالجمعية رسمياً وانفصالها عن الحكومة. وصدر قرار من مجلس إدارة الولاية اعترف مجدداً بالجمعية وأعطي الأمر لدوائر الطابو والأملاك بنقل الأملاك من اسم شعبة المعارف إلى اسم جمعية المقاصد. وفي هذه السنوات حين تولى سليم سلام رئاسة الجمعية (1909 – 1913) توسعت دائرة المدارس والاستعانة بمدرسين ومدرسات متخصصات، ما دفع المسلمين إلى الإقبال على مدارس المقاصد بل التبرع لها فبلغت التبرعات السنوية ما يقارب 80 ألف قرش كما بلغت واردات أملاكها 180 ألف قرش.
وفي مطلع الحرب العالمية الأولى 1914 أصدرت الحكومة العثمانية قراراً جديداً لضم الجمعية إلى المجلس العمومي برغم اعتراضات المسلمين، واستمر الضم إلى نهاية الحرب العالمية 1918، حيث رأسها مجدداً الشيخ مصطفى نجا (مفتي بيروت) الذي كون هيئة إدارية جديدة من (24 عضواً). وواجهت الجمعية مشكلات مالية والحرب خاصة أحدثت أضراراً مادية في مدارسها وأملاكها، وصودف مجيء الأمير فيصل بن الشريف حسين إلى بيروت فاطلع على واقع الجمعية وتبرع لها بمبلغ ألف ليرة مصرية إسهاماً في بناء ما تهدم. ولم تأت سنة 1922 حتى كان للجمعية ريع نحو 9 آلاف ليرة عثمانية. ومدارس المقاصد كانت تعمل يوم الأحد وتعطل بعد ظهر الخميس والجمعة وهكذا إلى الستينات.
ومنذ عام 1920 تفكر جمعية المقاصد في «جامعة المقاصد الإسلامية» التي هي «هدف الأمة الأعلى ومطمعها الأسمى»، كما جاء في جلسة الهيئة الإدارية في 20 نيسان 1920، واشترت قطعة أرض مساحتها (67) ألف ذراع في منطقة الحرج (بيت الأطفال وثانوية خالد بن الوليد حالياً). ودامت المساعي وقتذاك لإنجاح أمل الجمعية والمسلمين في «جامعة المقاصد الإسلامية». ولم تكتف المقاصد ببناء مدارس متعددة في بيروت، بل وجهت نشاطها منذ 1921 نحو القرى الإسلامية التي رأت الجمعية أهمية مدارس مقاصدية فيها ولا تزال تعرف باسم «مدارس القرى». كما ظلت ترسل الطلاب بمنح إلى الخارج لاسيما مصر، وهناك العديد من المثقفين المسلمين من الرعيل الأول ممن أرسلوا على حسابها.
والجمعية تطورت برغم الممارسات السلبية في ظل الانتداب الفرنسي، لاسيما فترة رئاسة محمد الفاخوري وعمر الداعوق. وتطورت في عهد محمد سلام ومصباح الطيارة، وكذلك منذ رأسها الرئيس صائب سلام في 1958 – 1982، فاتسعت نشاطاتها في مجال التربية والطب والتعليم العالي والفني والمهني. وتأسست ثانويات ومدارس عديدة، و»جامعة المقاصد الإسلامية للطب». وتطور معهد التمريض، وقامت «مؤسسة صائب سلام للثقافة والتعليم العالي» والمعهد العالي للدراسات الإسلامية ومجلة المقاصد الإسلامية ودار المقاصد للطباعة والنشر ومركز التأليف المقاصدي وإذاعة المقاصد، وسوى ذلك من مؤسسات تربوية وصحية.
وفي أوائل عام 1982 رأس جمعية المقاصد الأستاذ تمام سلام الذي استمر رئيساً لها حتى عام 2000، وقد شهدت المقاصد في عهده تطوراً بارزاً في مختلف الميادين. ومنذ عام 2000 حتى اليوم يرأس الجمعية المهندس الأستاذ أمين محمد عمر بك الداعوق، الذي وضع خططاً تربوية وتعليمية وإنشائية وإنمائية جعلت من المقاصد مؤسسة رائدة في مجالات عدة، وما يزال مع مجلس أمناء المقاصد يعملون بشكل دؤوب في سبيل تنمية وتطور المجتمع البيروتي واللبناني والعربي. وقد استطاع المهندس أمين محمد عمر بك الداعوق تجاوز الكثير من الأزمات المالية التي مرت بها المقاصد، ويسجل له تنشيط جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت المحروسة وانفتاحها من جديد على المجتمع البيروتي واللبناني والعربي.
(140) سنة من العطاء المقاصدي، بحيث تأكد من جديد بأن المقاصد وبيروت المحروسة توأمان لا ينفصلان.
* مؤرخ وأستاذ جامعي في جامعة بيروت العربية






