بيروت - لبنان

اخر الأخبار

9 أيلول 2025 12:00ص في ميزان الدين والسوق: صراع الضمير أمام جشع الاحتكار

حجم الخط
د. تاليا عراوي*

«أقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان»..
في لبنان، هذا البلد الذي لا يكفّ عن إذهالنا بأسواقه الصاخبة وتقاليده التي تروي قصص الأجداد، يمكن لأبسط فعل يومي، كالتسوق، أن يصبح مرآةً صادقةً للواقع، تكشف عن حقيقة مرّة. تخيّل زبوناً يدخل متجراً لا غبار على سمعته، ويشتري كيساً من الأرز الفاخر، الذي يحمل بفخر عبارة «منتج لبناني». يعود إلى منزله، وقد ملأ الثقة قلبه وعقله، لكنّ ما يلبث أن يفتح الكيس حتى يفاجأ: الأرز الفاخر يتحوّل إلى خليط من الحبوب الصناعية، التي لا تُسمن ولا تغني من جوع، بل قد تُمرض وتُهلك.
هذه ليست حكاية من حكايات الجدّات، بل هي واقعة «كافكاوية» بامتياز، تلخص بمرارة حال تجارتنا اليوم، فبيع سلعة أساسية ممزوجة بمواد خطيرة وغير صالحة للاستهلاك ليس مجرد غش تجاري، بل هو خيانة عظمى للثقة التي تُبنى عليها كل علاقة إنسانية، وكل صفقة تجارية. إنه دليل صارخ على مدى الاستخفاف بالقِيَم، والتضحية بالنزاهة، وسلامة الناس، من أجل أرباح زائفة. إنها جريمة كاملة الأركان، تعرّض حياة المستهلك للخطر، وتضرب بعرض الحائط كل قوانين الصحة والسلامة.
وإذا كانت كل معاملة تجارية هي عقد ضمني من حسن النيّة، فنحن نمدّ أيدينا لندفع، واثقين بأن البائع سيقدم لنا ما يستحق ثمنه. لكن ما نشهده اليوم من احتكار، وتلاعب بالأسعار، وتحايل على قوانين السوق، لا يقتصر على كونه ممارسات غير عادلة، بل هو انحراف عن بوصلة القِيَم. هذه الشركات التي تشتري المنتج بسعر بخس ثم تبيعه بأسعار فلكية، مؤمّنة على أن الشركة الأم لن تشحن مباشرة إلى البلد، لا تفعل سوى تحويل السوق من فضاء للتبادل العادل إلى غابة ينهش فيها الجشع كل شيء. وهذا يدفعنا للتساؤل: هل أصبح الجشع هو العملة الوحيدة المتداولة في حياتنا؟

انهيار الإطار الأخلاقي والاجتماعي

ويؤكد الفيلسوف الاقتصادي أمارتيا سن أن المشكلة ليست في آليات السوق بحد ذاتها، بل في انهيار الإطار الأخلاقي والاجتماعي الذي يجب أن يحتضنها. فالتلاعب بالسلع الأساسية ليس مجرد خسارة مالية، بل هو اعتداء على قدرات الإنسان، أي على حريته الحقيقية في أن يعيش حياةً ذات قيمة. عندما يُباع الأرز المغشوش، لا يُسرق المال فقط، بل تُسرق أيضاً القدرة على الحصول على غذاء آمن، وعلى ضمان صحة العائلة، وهو ما يعتبره سن جوهر التنمية البشرية.
ولم يغب عن بال رائد الاقتصاد الحديث، آدم سميث، هذا الجانب الأخلاقي، فبينما اشتهر بنظريته عن اليد الخفية التي توجّه المصالح الفردية نحو الصالح العام، كان يؤمن بأن هذا النظام لا يمكن أن يزدهر إلّا على أساس متين من الأخلاق والعدالة.
وفي كتابه «نظرية المشاعر الأخلاقية»، أكد سميث أن الإنسان مزوّد بفطرة التعاطف وبحكم المراقب المحايد الداخلي، الذي يمنعه من إيذاء الآخرين. إن غشّ الأرز هو خيانة صارخة لهذه المشاعر الإنسانية الأساسية، وهو دليل على أن السوق لم يعد يديره تجارٌ شرفاء، بل جشع التجار واحتكارهم الذي حذّر منه سميث نفسه. ففي غياب الرقابة الحكومية التي تضمن العدالة وتحمي المستهلك، تتحوّل اليد الخفية من قوة بناء إلى قوة تدمير.
ولعلّ ما يزيد الطين بلّة، ويجعل السخرية أكثر مرارة، هو الصمت المطبق من قبل الحكومة وحماية المستهلك. هذا الصمت ليس مجرد تقصير وظيفي؛ بل هو تواطؤ مفضوح يكرّس منظومة الفساد، ويجعل المواطن فريسةً سهلة للجشع والاحتكار، ويهدم شيئاً فشيئاً إيماننا بالدولة ومؤسساتها. هذا السلوك لا يهزّ إيماننا بالنظام التجاري فحسب، بل يمزّق عقد الثقة الذي يربطنا ببعضنا البعض، ويحوّل علاقة البائع والمشتري من شراكة إلى ساحة معركة.
والأمر لا يقف عند حدود التجارة العادية، فأعمق درجات الخيانة تكمن في تسويق منتج ضار، لكنها تبلغ قمة الكوميديا السوداء عندما تُبث إعلاناته عبر القنوات الدينية. هذه القنوات، التي تبرر قبولها لهذه الإعلانات بضرورة تمويل رسالتها، تنسى أن الغاية النبيلة لا تبرر الوسيلة الرخيصة. فبينما تسعى لاستدامة وجودها، تخون هدفها الأسمى في التوجيه الأخلاقي، مستغلةً ثقة جمهورها الذي يبحث عن الحق والعدل. هذا النفاق يكشف عن منهج ميكافيلي خطير، يقوّض المبدأ الأساسي للدين.
هذا السلوك يتعامل مع المستهلك كأداة للربح لا كإنسان. وهذا لا يتنافى مع كل المبادئ الأخلاقية فحسب، بل هو أيضاً انتهاك صريح للقيم الإسلامية. فبيع منتج مزوّر يندرج تحت الغبن الفاحش المنهي عنه. لقد شدّد الإسلام على الصدق والشفافية في التجارة، استناداً إلى مبادئ العدل والإحسان. وكما حذّر النبي محمد صلى االله عليه وسلم، «من غشّنا فليس منّا»، فإن هذه الحادثة تظهر تجاهلاً صارخاً لهذه القيم. وكم تذكّرنا هذه الواقعة بقصة الفتاة التي أجابت أمها، حينما أرادت أن تخلط اللبن بالماء: «إن كان أمير المؤمنين لا يرانا، فإن رب أمير المؤمنين يرانا». فكم هو شاسع الفرق بين من يخشى الرقيب البشري ومن يخشى الرقيب الإلهي!
إن هذا السعي الأعمى وراء الربح هو لعبة تدمير ذاتي، تُضحّي بالتعاطف والنزاهة والمسؤولية الاجتماعية من أجل وهم المكاسب السريعة. لقد شهدنا جميعاً الارتفاع المفاجئ في أسعار الخضروات والأطعمة خلال شهر رمضان، وكأن الإفطار أصبح حكراً على الميسورين فقط. يتساءل المرء: كيف يمكن للبائعين أن يعتقدوا أن كسبهم حلال، وهم يحرمون الفقراء من وجبة كريمة بعد يوم طويل من الصيام؟ التكلفة الحقيقية لهذه الممارسات ليست مجرد خسائر مالية، بل هي فقدان الروح الإنسانية في التعاملات، وتفكك الروابط المجتمعية.
فالمجتمع الذي لا يرى الفرد فيه الآخر إلّا أداة للربح، يتحوّل إلى صحراء قاحلة من القيم المشتركة، حيث لا يربط الأفراد ببعضهم شيء سوى المصلحة. إن المعاملة الأهم في حياتنا ليست مع شركة، بل مع بعضنا البعض، وهي عقد من الثقة والاحترام. وعندما تُخان هذه الثقة، لا يضرّ الأمر محفظتنا فحسب، بل يمزّق النسيج الاجتماعي الذي يحفظنا.
وبينما ما زلنا في أجواء الاحتفال بمولد نبينا الحبيب، لا يسعني إلّا أن أختم بكلمة قالها في خطبة الوداع، وكأنها موجهة إلينا اليوم: «والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها كما تنافسها الذين من قبلكم فتهلككم كما أهلكتهم».

* كاتبة واخصائية في الأخلاقيات وناشطة في مجال حقوق الإنسان