بيروت - لبنان

اخر الأخبار

10 أيلول 2025 12:00ص مرصد الأزهر في تقرير جديد عن القضية الفلسطينية في ميزان الضمير العالمي

حجم الخط
أكد مرصد الأزهر في تقرير حديث له أن القضية الفلسطينية تُعدّ إحدى أكثر الأزمات الإنسانية والسياسية تعقيداً واستعصاءً في العصر الحديث؛ حيث تتشابك فيها بعمق أبعاد القانون الدولي، وحقوق الإنسان، والاستقرار الإقليمي، ومنذ نكبة عام 1948م، لا تزال فلسطين ترزح تحت وطأة احتلال الكيان الصهيوني، وهو وضع تفاقم بفعل نمط واضح من التواطؤ الدولي، وصمت معظم الدول.
وقالت أن هذا التقرير يسعى إلى تقديم تحليل نقدي لما يمكن أن نطلق عليه: «العوار الدولي والصمت المذموم» من جانب دول العالم المختلفة، كما سيتناول المواقف التاريخية والمعاصرة لبعض هذه الدول، وتداعيات أفعالهم وتقاعسهم، والأثر العميق لهذه المواقف على الشعب الفلسطيني.

مسارات التحوّل من الدعم إلى التهميش

شهد الموقف العربي تجاه القضية الفلسطينية تحوّلاً جذريًّا، فمن دعم تاريخي، وإن كان غالباً غير فعّال، إلى مواقف أكثر تشتتاً.
الدعم التاريخي والتحوّلات السياسية: كانت القضية الفلسطينية تاريخيًّا في صميم القضايا العربية منذ تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945م. فقد أظهرت القمم العربية المبكرة التزاماً بالقضية، مثل قرار عام 1948م، بإنشاء إدارة مدنية مؤقتة في المناطق الفلسطينية التي تسيطر عليها الجيوش العربية.
وفي عام 1964م، رحّبت القمة العربية الثانية بإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً للشعب الفلسطيني، ووافقت على إنشاء قوات جيش التحرير الفلسطيني، كما أكدت القمة العربية في الجزائر عام 1973م أن السلام يتطلب انسحاب الكيان الصهيوني من جميع الأراضي المحتلة، بما في ذلك القدس، واستعادة حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية والثابتة. 
وعلى المستوى الدولي، رحّبت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي تدعم حقوق الشعب الفلسطيني في العودة، وتقرير المصير، وبناء دولته المستقلة وعاصمتها القدس. ومن الإجراءات الجماعية المهمة التي اتخذتها الدول العربية كان تأسيس «مكتب مقاطعة الكيان المحتل» عام 1951م، والذي أقرّ قانوناً موحّداً للمقاطعة عام 1954م، وقد أثبت هذا المكتب فعاليته في الضغط على الشركات الكبرى لوقف أعمالها مع الكيان الصهيوني.
على الرغم من هذه الجهود، اتسمت التدخّلات العسكرية العربية، مثل حرب 1948م، بعدم التنظيم ونقص الدعم اللوجستي الكافي، مما أسهم في نكبة الفلسطينيين، وتهجير مئات الآلاف منهم. ومع هزيمة عام 1967م، توسّع الاحتلال الصهيوني ليشمل الضفة الغربية، وقطاع غزة، والجولان، وسيناء. دفعت هذه النكسات العسكرية الدول العربية نحو مسار التسويات الدبلوماسية. كانت حرب أكتوبر 1973م آخر الحروب العربية مع الكيان الصهيوني، تلاها دخول مصر في مسار السلام بتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978م. تبع ذلك انخراط منظمة التحرير الفلسطينية في عملية السلام، وتوقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993م، حيث التزمت المنظمة بالوسائل السلمية فقط.
لقد أدّت هذه التحوّلات إلى تآكل العمل العربي الجماعي، وتحويل المقاومة إلى «عبء». فبعد أن كانت المقاومة الفلسطينية واجباً مستحقًّا، ودعمها هدفاً مشتركاً، بدأت تُنظر إليها بوصفها عائقاً أمام الجهود الدبلوماسية التي تقودها الدول. هذا التحوّل الإستراتيجي، الناجم عن الإخفاقات العسكرية والرغبة في الاستقرار، قلّل من النفوذ العربي المشترك، وأدّى إلى تشتّت الموقف العربي، مما ترك الفلسطينيين معزولين بشكل متزايد في نضالهم.

تداعيات الاتفاقيات

لم تؤدِّ اتفاقيات السلام المبكرة، مثل: كامب ديفيد (1978م) وأوسلو (1993م) ووادي عربة (1994م)، إلى حل عادل للقضية الفلسطينية، بل على العكس، تزامنت هذه الاتفاقيات مع تزايد التوسّع الاستيطاني للكيان، وتراجع التنسيق العربي الموحّد ضد الكيان الصهيوني المحتل.
وفي العقد الأخير، تسارعت الخطوات والاتفاقيات بين الكيان وعدد من الدول، مما حوّل الكيان الصهيوني إلى شريك علني في المنطقة، متجاهلة الحقوق الفلسطينية بشكل كبير.
وقد مهّد هذا التحوّل الطريق أمام الكيان للمضي قُدماً في خططه لضم الأراضي، وتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية. كما أن مكتب المقاطعة العربية الذي كان فعّالاً في السابق، أصبح «مشلولاً وشكليًّا» بعد هذه الجهود التطبيعية.
يكشف هذا التحوّل أن بعض الأنظمة لم تكن عاجزة فقط عن دعم فلسطين، بل أدّت الى انعكاسات أخرى، مدفوعة بالمصالح الاقتصادية أو الضغوط الغربية. كان اعتقاد السلطة الفلسطينية بأن التطبيع يمكن أن يكون «جزرة» لتحقيق الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية إستراتيجية فاشلة، حيث افتقرت إلى أي نفوذ حقيقي («لا عصا ولا وسائل ضغط»).
إن الموقف الأولي من المقاطعة والعمل الجماعي - رغم عيوبه - كان يوفر درجة من النفوذ ضد الكيان، إلّا أن تبنّي هذه المعاهدات والاتفاقيات، والتي قدمت مساراً عمليًّا نحو السلام أو الاستقرار، أدّى إلى نتائج متناقضة. فبدلاً من الضغط على الكيان لتقديم تنازلات، أتاحت له الفرصة لتنفيذ سياساته الاحتلالية التوسعية. هذا التحوّل من موقف الضغط الجماعي إلى التعاون الضمني أو الصريح من بعض الدول، غالباً ما يكون مدفوعاً بالمصالح الاقتصادية أو الضغط الخارجي، ويمثل مستوى أعمق من «التنازلات» - والانتقال من التقاعس السلبي إلى التمكين النشط. ولم يقوض هذا المسار القضية الفلسطينية فحسب، بل أضعف أيضاً جهود المساءلة الدولية، مما أدّى الي زيادة المشكلة بدلاً من أن يكون حلًّا. وعلى الرغم من هذه السياسات الرسمية، فإن الشعوب العربية لا تزال ملتزمة بالقضية الفلسطينية، مما يخلق انفصالاً يعيق العمل الفعال بشأن فلسطين. هذا الوضع يعزز جانب «الصمت المذموم».

الموقف الأوروبي من القضية الفلسطينية

يتسم الموقف الأوروبي تجاه القضية الفلسطينية بتباين بين المبادئ المعلنة لحقوق الإنسان والمصالح الجيوسياسية، حيث عملت أوروبا في المراحل المبكرة على حل القضية الفلسطينية من خلال تفعيل لجنة التوفيق الدولية بعد النكبة. وفي عام 1976م، أصدرت الدول الأوروبية «بيان نوفمبر» الذي طالب الكيان المحتل بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة عام 1967م، تمهيداً لإقامة الدولة الفلسطينية. وقد تطوّر الموقف الأوروبي بشكل أكبر عام 1980م مع «إعلان البندقية»، الذي اعترف صراحة بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. وفي عام 1988م، جاء «إعلان بروكسل» ردًّا على إعلان الاستقلال الفلسطيني، وقبول منظمة التحرير الفلسطينية بقرارات الأمم المتحدة أساساً للتسوية.
ومع ذلك، أدّت اتفاقيات أوسلو إلى تهميش الدور الأوروبي، حيث لم تأخذ الأطراف المشاركة في المفاوضات - سواء الكيان أو الولايات المتحدة أو حتى منظمة التحرير الفلسطينية - موقف أوروبا على محمل الجدّ. وقلّل هذا الموقف من نفوذ أوروبا، وسمح باتباع نهج أكثر براغماتية، وأقلّ تمسّكاً بالمبادئ.
وقد أسهم تطور الموقف الأوروبي، من دعم واضح للحقوق الفلسطينية إلى موقف أكثر غموضاً، مما يظهر بوضوح «العوار الدولي»، فالمواقف الأوروبية الأولية كانت أكثر توافقاً مع القانون الدولي، لكن عملية أوسلو، التي قادتها الولايات المتحدة، قللت من تأثير الدول الأوروبية، وأضعفت موقفها بوصفها داعماً للعدالة الدولية.

عوار دولي وصمت مذموم: تجليّات ومآلات

تتجلّى حالة «العوار الدولي والصمت المذموم» في عدة جوانب رئيسية تؤثر على القضية الفلسطينية على النحو التالي:
إزدواجية المعايير في القانون الدولي: تظهر إزدواجية المعايير الصارخة التي تطبقها الدول الغربية بوضوح في التعامل مع الصراعات الدولية. فعلى سبيل المثال، فُرضت عقوبات قاسية على روسيا؛ بسبب حربها في أوكرانيا، بينما لم تُفرض أية عقوبات على الكيان على الرغم من احتلالها المستمر للأراضي الفلسطينية وارتكابها جرائمَ فظيعة. كما يُصنف الفلسطيني المقاوم على أنه «إرهابي»، بينما يُصوَّر الجندي الصهيوني الذي يقتل الأطفال على أنه «مدافع عن نفسه». هذه الازدواجية الصارخة في المعايير تُشكّل عواراً دوليًّا يمنع وقف المجازر وقتل الأطفال، وتُعطي غطاءً لاستمرار الإبادة الجماعية.
يقوض هذا النفاق مصداقية القانون والمؤسسات الدولية، ويخلق تصوّراً بأن الدول القوية فوق القانون. إن «تآكل المعايير الدولية» ليس مجرد قضية تتعلق بدول فردية، بل هو فشل منهجي للنظام الدولي ككل. هذا الوضع يخلق سابقة خطيرة، حيث تطغى القوة على العدالة، مما يسهم بشكل مباشر في «العوار الدولي»، ويقوض أي أساس أخلاقي للسياسة الخارجية.
ضعف المؤسسات الحقوقية الأممية: على الرغم من صدور عشرات القرارات عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن بشأن فلسطين منذ عام 1948م، فإن معظمها لم يُنفذ بسبب استخدام الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) باستمرار لصالح الكيان المحتل.
وبينما تصدر منظمات حقوق الإنسان مثل: هيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية، تقارير دامغة تدين الجرائم الصهيونية، بما في ذلك الإبادة الجماعية والفصل العنصري، فإن تأثير هذه التقارير يظل محدوداً؛ بسبب سيطرة القوى الكبرى على المنظمات الدولية، والضغوط الهائلة التي تواجهها هيئات مثل المحكمة الجنائية الدولية، لمنعها من مساءلة قادة الاحتلال. هذا الضعف المؤسسي يُعيق بشكل مباشر أية جهود فعالة لوقف المجازر والإبادة الجماعية، ويُفقد الضحايا الأمل في تحقيق العدالة.
إن «اختلال توازن القوة والعدالة» يفسر ضعف هذه المؤسسات؛ فالنظام الدولي نفسه قائم على المصالح، وليس على العدالة. ترى القوى العظمى في الكيان الصهيوني مشروعاً إستراتيجيًّا يخدم نفوذها، وليس كياناً استيطانيًّا يجب مساءلته. هذا الوضع يغذّي «العوار الدولي»، ويُديم «الصمت المذموم»، من خلال عدم وجود آليات فعالة لفرض القانون الدولي على الجميع بشكل متساوٍ.

المقاومة بوصفها خياراً وحيداً في ظل التخاذل

في ظل التخاذل العربي والانحياز الغربي، لم يبقَ أمام الفلسطينيين سوى خيار المقاومة، سواء كانت سياسية أو عسكرية. لقد أثبتت «انتفاضات الشعب الفلسطيني»، و«الحرب اللا أخلاقية على غزة» أن الاحتلال ليس كياناً لا يُقهر، بل يمكن هزيمته بالإرادة والصمود.
وعندما تفشل الآليات الدولية في توفير العدالة، وتُغلق المسارات الدبلوماسية التقليدية أو تُساوم عليها، تصبح المقاومة استجابة طبيعية، وإن كانت باهظة الثمن. هذا يسلّط الضوء على قدرة المظلومين على الفعل في مواجهة التقاعس العالمي، ويؤكد أن الصمت الدولي لا يكسر إرادة الشعب الفلسطيني.

الخاتمة والتوصيات

تُعدّ القضية الفلسطينية اختباراً حقيقيًّا للضمير الإنساني، كما أن استمرار الكيان الصهيوني في طغيانه واحتلاله للأراضي الفلسطينية لا ينبع من قوته الذاتية بقدر ما هو نتيجة مباشرة للتخاذل العربي، والدعم الغربي، وضعف المؤسسات الحقوقية الأممية. على الرغم من الصورة القاتمة، يظل الأمل قائماً، فـ «الشعوب لا تموت، والاحتلال مهما طال، إلى زوال».
بناءً على ذلك يمكن صياغة التوصيات التالية:
• يجب على الدول العربية إعادة تنشيط العمل الجماعي، والالتزام بالإرادة الشعبية، وإعطاء الأولوية للقضية الفلسطينية على المصالح السياسية أو الاقتصادية الضيقة. ومن الضروري إعادة تقييم اتفاقيات التطبيع في ضوء تأثيرها على الحقوق الفلسطينية.
• يتعيّن على الاتحاد الأوروبي الوفاء بالتزامه المعلن بحقوق الإنسان والقانون الدولي، كما يجب تفعيل المادة (2) من اتفاقية الشراكة مع الكيان المحتل بشكل حاسم، بما في ذلك فرض العقوبات، وتعليق الاتفاقية إذا استمرت الانتهاكات. كما يجب أن تُعطى المساءلة الأولوية على العلاقات التجارية.
• ينبغي على المجتمع الدولي تعزيز الآليات القانونية الدولية مثل: محكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، وضمان استقلاليتها عن الضغوط السياسية، واتخاذ إجراءات فورية وحاسمة، لوقف المجازر وقتل الأطفال والإبادة الجماعية. كما يجب إنهاء ازدواجية المعايير، وتطبيق القانون الدولي بشكل متسق على جميع الأطراف.
• يجب على مؤسسات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان مواصلة توثيق الانتهاكات، والدعوة إلى العدالة، وحشد الرأي العام؛ للضغط على الحكومات من أجل المساءلة.
• يجب على الشعب الفلسطيني مواصلة الصمود ومختلف أشكال المقاومة المشروعة، مع بناء الوحدة الداخلية، وتعزيز المؤسسات الفلسطينية.