في مثل هذا الشهر المبارك ولد من أرسله الله رحمة للعالمين وفرح به أهل الأرض وأهل السماء لأنه النبي الخاتم الذي ذكره الله في التوراة والإنجيل، بل وأخذ العهد على الأنبياء والمرسلين أنه لو وُلِدَ النبي الخاتم محمد صلى االله عليه وسلم في زمانهم أن يؤمنوا به وينصروه كما أُمِروا أن يأمروا أتباعهم أن يؤمنوا به ويصدّقوه وينصروه ويكونوا معه... قال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ} [سورة آل عمران آية ٨١].
وقد جاء الحديث النبوي الشريف مصدّقاً لذلك فقد رأى رسول الله صلى االله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ في التوراة، فقد روى جابر بن عبداالله: أن عمرَ رضِيَ االلهُ تعالى عنه أُتِيَ بكتابٍ أصابه من بعضِ أهلِ الكتابِ فقرأه عليه (أي على رسول الله صلى االله عليه وسلم) فغضِب فقال: لقد جئتُكم بها بيضاءَ نقيّةً لا تسألوهم عن شيءٍ فيخبِرونكم بحقٍّ فتكذِّبوا به أو بباطلٍ فتصدِّقوا به والذي نفسِي بيدِه لو أن موسى كان حيًّا ما وسِعَه إلّا أن يتبِعَنِي [العيني (ت ٨٥٥)، عمدة القاري ٢٥/١١١].
خاتم الأنبياء والمرسلين
فقد كانت رسالته خاتمة الرسالات السماوية السابقة والكتاب الذي أنزل عليه هو (القرآن الكريم) ختم الله به وحي السماء وذكر فيه ما نُزِّلَ على الأنبياء والمرسلين من وحي السماء في التوراة والإنجيل والزبور وما قبل ذلك من كتبٍ وَصُحُفٍ إبراهيم وموسى تصديقاً للكتاب وللنبيين من قبل وما ذلك إلّا تأكيد على أن هذه الرسالة الخاتمة جاءت لجمع البشرية جمعاء على الخير والهدى والدخول في الرحمة الإلهية التي تجلّت ببعثة هذا النبي الكريم محمد صلى االله عليه وسلم إلى العالم كله فقال سبحانه وتعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [سورة الأنبياء آية ١٠٧]، كما جعله الله أعظم العالمين خُلُقَاً فقال سبحانه وتعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [سورة القلم آية ٤]، فقد كمّلهُ ربُّه وجمَّلهُ فجمع له المحاسن كلها خَلْقاً وخُلُقاً حتى قال فيه القائل (خُلِقتَ مبرّءاً من كل عيب... كأنما قد خُلِقتَ كما تشاء).
ولذلك جعله الله أُسوةً وقُدوةً للمؤمنين يتشبّهون بكريم أفعاله... ويقتدون بجميل صفاته وأخلاقه فهو هاديهم إلى صراط العزيز الحميد، هذا وقد كان مولده مشهوداً مشهوراً فقد كان الأحبار والرهبان في جزيرة العرب ينتظرون ولادته ويقولون هذا أوانه وزمانه، بل وكان بعضهم يتابع حركة النجوم حتى جاء أحدهم يوماً إلى مكة المكرمة وذلك ليلة مولده قائلا لهم: هذا نجم أحمد، وأشار إلى نجمٍ في السماء ظهر في تلك الليلة، هل ولد لكم يا معشر قريش الليلة مولود..؟ فقالوا: لا نعلم، فإذا بأحدهم يقول: وُلِدَ الليلة مولود لعبد الله بن عبد المطلب وسموْهُ محمداً، وقد نقل عن السيدة خديجة أمنا أم المؤمنين أنها رأت في منامها القمر بدراً وسقط في حجرها، فقصت الرؤيا على أحد الأحبار، فقال لها: إن لها إن صدقت رؤياك فستتزوجين بنبي آخر الزمان، وتزوجت رسول الله محمد صلى االله عليه وسلم.
وقد ذكر رسول الله صلى االله عليه وسلم عن يوم مولده وما فيه الشيء الكثير ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: إني عبدُ االلهِ وخاتَمُ النَّبِيِّينَ، وإنّ آدمَ لَمُنْجَدِلٌ في طينتِه، وسأُخْبِرُكم عن ذلك: دعوةُ أبي إبراهيمَ، وبِشارةُ عيسى بي، ورُؤْيا أُمِّي التي رَأَتْ، وكذلك أُمَّهاتُ النَّبِيِّينَ يَرَيْنَ. وإنّ أُمَّ رسولِ االلهِ صلى االله عليه وسلم رَأَتْ حين وضَعَتْهُ نوراً أضاءت له قصورَ الشامِ، وفي روايةِ: (أضاءت منه قصورَ الشام) [البيهقي (ت ٤٥٨)، دلائل النبوة ١/٨٠].
والمتأمّل في هذا الحديث الشريف يرى أن النبي صلى االله عليه وسلم أخبر أن الله كتب نبوته قبل خلق آدم عليه السلام وهو دعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [سورة البقرة آية ١٢٩] وبشارة نبي الله رسول الله عيسى ابن مريم عليه السلام {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} [سورة الصف آية ٦]، وذكر ما رأت أمه السيدة آمنة عند ولادته رأت نوراً ملأ المكان حتى رأت قصور الشام.
أسوة حسنة
فهذا هو رسول الله صلى االله عليه وسلم نبي الإسلام والمسلمين الذي أرسله الله لهداية العالمين وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ونشر العدل والسلام والحياة والإنسانية في الدنيا، وعلينا جميعاً في هذا الزمن الصعب أن نخرج وننشر سيرته وحياته ومواقفه وسياسته للصغار قبل الكبار وللحكام قبل المحكومين لتكون نبراساً ونوراً وهدايةً نسير جميعنا على ضوئه ونوره وهديه لتحقيق الخلاص والفلاح والنجاح والخروج من الظلم والظلمات والفساد والإفساد ومن الخوف والفقر ومن القهر والإستبداد وتسلّط الأقوياء على الضعفاء.
وخاصة في هذه الأيام التي تجاوز الظلم حدوده وسالت دماء الأبرياء من شيوخ ونساء وأطفال في غزة وفلسطين على مرأى ومسمع من العالم كله فلم يحركوا ساكنا بل وساعدوا اليهود الصهاينة عتوا وفسادا فأمدّوهم بالجند والسلاح المدمّر لمزيد من إراقة الدماء وتجويع الأطفال والنساء والشيوخ ونشر الخوف وعدم الاطمئنان ليخرجوهم من ديارهم ظلما واستكبارا وإفسادا، ولكن مهما طال ظلم الظالم واشتدّ بغيه فإن الله القوي العزيز سينصر عباده المقهورين ويبيد الظالمين والتاريخ شاهد على ذلك قديما وحديثا، ومع هذا الواقع الأليم علينا أن نطالع سيرة صاحب الذكرى محمد رسول الله صلى االله عليه وسلم وأخلاقه وشمائله حتى نتأسّى بها ونجعلها نبراساً نسير على ضوئه ونوره صغاراً وكباراً، رجالاً ونساءً، حتى يظهر الربيع في كل مكان في العالم وتعمّ السعادة والأمن والأمان والطمأنينة والسلام في قلوب الناس أجمعين ورحم الله أمير الشعراء أحمد شوقي الذي قال:
وُلِدَ الهدى فالكائنات ضياءُ.. وفمُ الزمان تبسّمٌ وثناءُ