وقد أعادت المواقف الأخيرة لرئيس الجمهورية اللبنانية ٫ العماد جوزاف عون تسليط الضوء على هذه الحقيقة. فبصرف النظر عن الموقف المؤيد أو المعارض لتلك التصريحات، فإن ردود الفعل التي أعقبتها كشفت حجم التباين القائم بين اللبنانيين حول قضايا مصيرية تتعلق بمفهوم الدولة ودورها وحدود سلطتها وعلاقتها بالفاعلين الداخليين والخارجيين.
لقد رأى قسم من اللبنانيين في تلك المواقف تعبيرا عن رغبة في استعادة الدولة لقرارها السيادي وترسيخ مبدأ حصرية القرار الاستراتيجي بيد المؤسسات الشرعية. وفي المقابل، اعتبرها آخرون جزءا من مقاربة سياسية لا تأخذ بالاعتبار تعقيدات الواقع الإقليمي والتحديات الأمنية التي يواجهها لبنان. وبين هذين الموقفين، برز مجددا ذلك الشرخ العميق الذي يفصل اللبنانيين في مقاربتهم لمفهوم السيادة والأمن الوطني والعلاقة مع المحيط الإقليمي.
بيد ان خطورة المرحلة الحالية لا تكمن في وجود خلافات سياسية، فهذه ظاهرة طبيعية في كل الأنظمة الديمقراطية، بل في تحول هذه الخلافات إلى انقسامات مجتمعية وطائفية قابلة للاستثمار السياسي والتعبئة الشعبية. وهنا تحديداً يكمن التحدي الأكبر الذي يواجه الدولة اللبنانية.
فمنذ اندلاع الأزمة الاقتصادية عام 2019، يعيش لبنان واحدة من أصعب المراحل في تاريخه الحديث. فقد انهارت العملة الوطنية، وتراجعت الثقة بالمؤسسات، وارتفعت معدلات الفقر والهجرة، فيما تعرضت الطبقة الوسطى لتآكل غير مسبوق. وإلى جانب هذه الأزمة الاقتصادية العميقة، جاءت التوترات الأمنية والحروب الإقليمية لتضيف مزيدا من الضغوط على دولة تعاني أصلا من هشاشة بنيوية مزمنة.
وفي أدبيات العلاقات الدولية، تصنف هذه الحالة ضمن ما يعرف بـ«الهشاشة المركبة للدولة»، أي الحالة التي تتداخل فيها الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية بصورة تجعل كل أزمة تغذي الأخرى وتزيد من حدتها. وهذا الوصف يكاد ينطبق حرفيا على الواقع اللبناني اليوم.
لا يمكن انكار ان اتفاق الطائف نجح في إنهاء الحرب الأهلية ووضع أسس جديدة للتوازن السياسي، لكنه لم ينجح بصورة كاملة في بناء مصالحة وطنية شاملة. فهناك فرق كبير بين وقف الحرب وبين معالجة آثارها. الأول يوقف إطلاق النار، أما الثاني فيعيد بناء الثقة بين المواطنين والدولة وبين مكونات المجتمع نفسها.
لبنان أمام مفترق سيادي جديد: شكلت التصريحات الأخيرة لرئيس الجمهورية اللبنانيه محطة سياسية لافتة لأنها لم تقرأ باعتبارها مجرد مواقف رئاسية عابرة، بل باعتبارها مؤشرا على تحولات أعمق تشهدها الدولة اللبنانية في مقاربتها لمجموعة من الملفات السيادية الحساسة.
فحين تحدث الرئيس عون عن حصرية القرار الوطني، وعن ضرورة أن تكون الدولة المرجعية الوحيدة في تقرير مصير البلاد، وحين شدد على أن لبنان ليس ساحة تابعة لأي محور خارجي، فإنه أعاد فتح ملفات ظلت لسنوات طويلة مؤجلة أو محاطة بحساسيات سياسية وأمنية كبيرة.
ولعل ما منح هذه التصريحات هذا القدر من الزخم هو أنها جاءت في لحظة إقليمية استثنائية. فالشرق الأوسط يشهد إعادة رسم للتوازنات، فيما تحاول الدول إعادة تعريف أولوياتها ومصالحها الوطنية بعد سنوات من الحروب والصراعات.
وفي هذا السياق، لم تعد الأسئلة المطروحة في لبنان تدور فقط حول تشكيل حكومة أو انتخاب رئيس أو إقرار إصلاح اقتصادي، بل أصبحت أسئلة تتعلق بمستقبل الدولة نفسها: من يقرر الحرب والسلم؟ ما هي حدود الدور الذي يمكن أن تلعبه القوى غير الرسمية؟ كيف يمكن حماية لبنان من أن يتحول إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية؟ هذه الأسئلة نجدها لا تخص فريقا دون آخر، بل تمس جوهر الكيان اللبناني ومستقبله.
من الانقسام السياسي إلى الانقسام الوجودي: تكمن خطورة الواقع اللبناني في أن الانقسام لم يعد يقتصر على التنافس السياسي التقليدي بين أحزاب متنافسة، بل أصبح يطال تعريف الدولة ذاتها.
ففي الدول المستقرة قد تختلف الأحزاب حول السياسات الاقتصادية أو الاجتماعية أو الخارجية، لكنها تتفق في العادة على ماهية الدولة وموقعها ودورها. أما في لبنان، فإن الخلاف يمتد أحيانا إلى هذه الأسس نفسها.
هناك من يرى أن حماية لبنان تمر عبر حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز المؤسسات الشرعية. وهناك من يرى أن الظروف الإقليمية والاستراتيجية تفرض مقاربات مختلفة للأمن الوطني. وهناك من يدعو إلى تحييد لبنان عن صراعات المنطقة. في حين يعتبر آخرون أن موقع لبنان الجغرافي والسياسي يجعل هذا الحياد أمرا نظريا أكثر منه واقعيا.
وبين هذه الرؤى المختلفة، يبدو اللبنانيون وكأنهم يعيشون داخل وطن واحد لكنهم ينظرون إليه من خرائط سياسية مختلفة. وهنا تكمن الأزمة الحقيقية٫ فالخلاف لم يعد يدور فقط حول الوسائل، بل حول الأهداف والمرجعيات والتصورات الكبرى لمستقبل البلاد.
لبنان داخل غرفة الإنعاش السياسي: يشبه لبنان اليوم مريضا غادر غرفة العمليات منذ سنوات طويلة،
لكنه لم يغادر المستشفى بعد. لقد نجحت التسويات المتعاقبة في وقف النزيف ومنع الانهيار الشامل، لكنها لم تنجح في إعادة بناء العافية الكاملة للجسد الوطني.فكل أزمة جديدة تكشف أن الندوب القديمة ما زالت حاضرة. وكل استحقاق سياسي يعيد فتح ملفات لم تحسم بصورة نهائية.وكل تطور إقليمي ينعكس بصورة مباشرة على التوازنات الداخلية. ومن هنا، تبدو الدولة اللبنانية وكأنها تعيش داخل غرفة إنعاش سياسية مفتوحة، حيث تبذل جهود كبيرة لمنع التدهور، لكن من دون الوصول إلى مرحلة التعافي الكامل.وفي هذا المشهد، تصبح الثقة الوطنية هي العنصر الأكثر ندرة. فالأزمات الاقتصادية يمكن أن تعالج والخلافات السياسية يمكن أن تُدار٫أما عندما تتراجع الثقة بين مكونات المجتمع، فإن الدولة تفقد تدريجيا أحد أهم عناصر مناعتها الداخلية.
الطائف: نهاية الحرب أم بداية التحدي؟
عندما وقع اتفاق الطائف عام 1989، اعتبره كثيرون نقطة نهاية للحرب الأهلية اللبنانية وكان ذلك صحيحا إلى حد بعيد. فالاتفاق نجح في وقف الحرب وإعادة إطلاق المؤسسات وإعادة بناء جزء كبير من الاستقرار السياسي ٫غير أن التجارب التاريخية تؤكد أن وقف الحرب لا يعني بالضرورة تحقيق المصالحة، فالحرب تتوقف بتوقيع اتفاق، أما المصالحة فتحتاج إلى سنوات طويلة من إعادة بناء الثقة والذاكرة المشتركة.
ولهذا بقي لبنان طوال العقود الماضية يعيش ما يمكن وصفه بحالة «السلام غير المكتمل». فقد انتهت المعارك العسكرية، لكن الكثير من الانقسامات التي غذتها الحرب بقيت حاضرة داخل الوعي الجماعي وفي الخطاب السياسي وفي بنية النظام نفسه.
مما لاشك فيه ان اللبنانيون نجحوا في إدارة خلافاتهم، لكنهم لم ينجحوا دائما في تجاوزها،وهنا تحديدا تبدأ الحاجة إلى التفكير في مفهوم المصالحة الوطنية، ليس كشعار سياسي بل كمشروع دولة طويل الأمد .
عندما تصبح المصالحة الوطنية ضرورة وجودية: إذا كانت الأزمات السياسية والاقتصادية تشكل تحديا للدول، فإن الانقسامات المجتمعية العميقة تشكل تهديدا لوجودها ذاته. فالدولة تستطيع أن تتعافى من أزمة مالية، وأن تتجاوز ركودا اقتصاديا، وأن تعيد بناء مؤسسات تضررت بفعل الحروب أو الأزمات، لكنها تواجه صعوبة أكبر عندما يتآكل الرصيد المعنوي الذي يجمع أبناءها تحت مظلة وطنية واحدة.
ومن هنا، لا تبدو المصالحة الوطنية في الحالة اللبنانية ترفا فكريا أو شعارا سياسيا يصلح للمناسبات والخطابات، بل ضرورة استراتيجية ترتبط مباشرة بمستقبل الدولة واستقرارها.
لقد أثبتت التجارب الدولية مثل إسبانيا وغيرها أن المجتمعات الخارجة من الحروب أو الأزمات الكبرى لا تستعيد عافيتها بمجرد توقف المواجهات. فالحروب تترك وراءها ما هو أخطر من الدمار المادي، إذ تخلف ذاكرة جماعية مثقلة بالخوف والشكوك والروايات المتناقضة.
ولهذا السبب، غالبا ما تميز الأدبيات السياسية بين مفهومين مختلفين: التسوية السياسية والمصالحة الوطنية. حيث نجد التسوية السياسية تهدف إلى إدارة التوازنات ومنع الانفجار، بينما تسعى المصالحة الوطنية إلى معالجة الجروح العميقة التي خلفتها سنوات الصراع، فالتسوية تنهي أزمة، أما المصالحة فتبني مستقبلا، التسوية تنتج هدنة، أما المصالحة فتؤسس لاستقرار طويل الأمد.
وفي هذا الإطار، يمكن القول إن لبنان عرف خلال العقود الماضية تسويات عديدة، لكنه لم يعرف مشروعا وطنيا شاملا للمصالحة بالمعنى العميق للكلمة.
لماذا لم تتحقق المصالحة الكاملة بعد الطائف؟
يكاد يجمع معظم الباحثين في الشأن اللبناني على أن اتفاق الطائف كان ضرورة تاريخية أوقفت الحرب وأنقذت الدولة من الانهيار الكامل. غير أن الاتفاق، رغم أهميته، لم يكن مصمما لمعالجة كل تداعيات الحرب الأهلية. ففي اللحظة التي كان اللبنانيون يبحثون فيها عن وقف القتال واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار، جرى التركيز على إعادة تنظيم السلطة وتوزيع الصلاحيات وإعادة بناء المؤسسات. أما الملفات المرتبطة بالذاكرة الجماعية والمصالحة المجتمعية والعدالة الانتقالية، فقد بقيت إلى حد كبير خارج المعالجة العميقة.و مع مرور الوقت، تراكمت مجموعة من الظواهر التي جعلت الانقسام يستمر بأشكال مختلفة، فكل طائفة احتفظت بسرديتها الخاصة للحرب وكل بيئة سياسية احتفظت بقراءتها الخاصة للتاريخ وكل فريق واصل تفسير الأحداث الكبرى انطلاقا من منظوره الخاص وهكذا نشأ جيل جديد لم يعش الحرب مباشرة، لكنه ورث الكثير من انقساماتها النفسية والسياسية وبدلا من بناء ذاكرة وطنية مشتركة، بقي اللبنانيون أسرى لذاكرات متوازية لا تلتقي إلا نادرا ومن هنا يمكن فهم سبب عودة الانقسامات إلى الواجهة مع كل أزمة جديدة. فالأزمات لا تخلق الانقسامات دائما، بل تكشف ما كان كامنا منها.
أزمة الذاكرة الوطنية: من أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات الخارجة من النزاعات أنها تجد نفسها أمام سؤال معقد: كيف تتذكر الماضي من دون أن تصبح أسيرة له؟
فالنسيان الكامل مستحيل والعيش الدائم داخل الماضي يعيق بناء المستقبل ولهذا تلجأ كثير من الدول إلى بناء ما يمكن تسميته بـ«الذاكرة الوطنية المشتركة»، أي صياغة رواية عامة تسمح للمجتمع بالاعتراف بآلامه من دون أن يبقى رهينة لها.
في لبنان، ما زال هذا التحدي قائما، فبعد أكثر من ثلاثة عقود على انتهاء الحرب الأهلية، لا تزال قراءة الماضي تختلف بصورة كبيرة بين المكونات السياسية والطائفية ولا تزال بعض الأحداث تفسر بطرق متناقضة إلى درجة تجعل الاتفاق على رواية وطنية موحدة أمرا بالغ الصعوبة.وهنا يظهر دور المصالحة الوطنية بوصفها عملية بناء للمستقبل أكثر من كونها حكما على الماضي.
الجزائر: عندما انتصرت فكرة المستقبل
إذا كان لبنان ما زال يبحث عن صيغة متكاملة للمصالحة الوطنية، فإن التجربة الجزائرية تقدم مثالا عربيا يستحق التأمل.
فخلال تسعينيات القرن الماضي، عاشت الجزائر مرحلة بالغة الصعوبة اتسمت بالعنف وعدم الاستقرار والانقسامات الحادة. وقد تركت تلك المرحلة آثارا سياسية واجتماعية وإنسانية عميقة على الدولة والمجتمع. غير أن ما يلفت الانتباه في التجربة الجزائرية ليس حجم الأزمة التي عاشتها البلاد، بل الطريقة التي جرى من خلالها التعامل مع تداعياتها ، فمع نهاية عقد كامل من الاضطرابات، برز إدراك متزايد بأن استمرار المجتمع في الدوران داخل دائرة الماضي لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة وكان لا بد من إيجاد نقطة ارتكاز جديدة تسمح للدولة والمجتمع بالانتقال من منطق المواجهة إلى منطق البناء ومن هنا جاء مشروع الوئام المدني.
الوئام المدني- الانتقال من منطق الثأر إلى منطق الدولة: عندما طرح الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة مشروع الوئام المدني سنة 1999، لم يكن الهدف مجرد إطلاق مبادرة سياسية جديدة، بل محاولة إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.
لقد انطلقت الفكرة من قناعة مفادها أن المستقبل لا يمكن أن يبنى إذا بقيت البلاد أسيرة لمنطق الانتقام والتصفيات المتبادلة وكان المطلوب إعادة فتح الطريق أمام الاستقرار، وإعادة دمج المجتمع في مشروع وطني جامع، وإعطاء الأولوية لمصلحة الدولة على حساب الحسابات الضيقة وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة التجربة الجزائرية. فهي لم تقدم باعتبارها انتصارا لطرف على آخر، بل باعتبارها انتصارا لفكرة الدولة نفسها ولهذا لقيت قبولا شعبيا واسعا، لأنها خاطبت حاجة المجتمع إلى الاستقرار والأمل بعد سنوات طويلة من المعاناة.
ميثاق السلم والمصالحة الوطنية: لم يتوقف المسار عند حدود الوئام المدني، بل تطور لاحقا عبر ميثاق السلم والمصالحة الوطنية وقد شكل هذا الميثاق خطوة إضافية نحو تثبيت الاستقرار وإغلاق واحدة من أكثر الصفحات تعقيدا في تاريخ الجزائر المعاصر والأهم من النصوص القانونية نفسها كان البعد الرمزي والسياسي للمشروع فالرسالة الأساسية كانت واضحة: الدولة تريد الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء المستقبل.وكان ذلك عبر توجيه الطاقات نحو التنمية والاقتصاد والاستقرار بدلا من استنزافها في صراعات لا نهاية لها وبذلك تحولت المصالحة من مجرد شعار سياسي إلى رافعة للاستقرار الوطني.
لماذا نجحت التجربة الجزائرية؟ لا توجد وصفة سحرية تفسر نجاح أي تجربة مصالحة وطنية، لكن التجربة الجزائرية أظهرت مجموعة من العوامل الحاسمة.
أولا، وجود إرادة سياسية واضحة تبنت المصالحة باعتبارها خيارا استراتيجيا لا تكتيكا ظرفيا.
ثانيا، تقديم المصلحة الوطنية العليا على الاعتبارات الفئوية والحسابات الضيقة.
ثالثا، وجود دعم شعبي واسع أدرك أن الاستقرار أصبح شرطا لأي نهضة اقتصادية أو اجتماعية.
رابعا،قيام مؤسسات الدولة بدور فاعل في تنفيذ المشروع وتحويله إلى سياسات عملية.
خامسا، نجاح الدولة في إقناع المجتمع بأن المستقبل أهم من البقاء رهينة للصراعات الماضية.
وهذه النقطة الأخيرة ربما تكون الأهم على الإطلاق.
ماذا يمكن للبنان أن يتعلم من الجزائر؟
ليس المطلوب من لبنان أن ينسخ التجربة الجزائرية حرفيا، فلكل بلد خصوصياته التاريخية والسياسية والاجتماعية، لكن التجارب الناجحة تمنح الآخرين فرصة للتأمل واستخلاص العبر والدروس وأول هذه الدروس أن المصالحة الوطنية لا تبدأ بالنصوص القانونية، بل تبدأ بوجود إرادة جماعية للاعتراف بأن استمرار الانقسام أخطر من الخلاف نفسه وثانيها أن بناء الدولة يحتاج إلى إعادة بناء الثقة وثالثها أن التنوع لا يصبح خطرا إلا عندما يتحول إلى أداة للصراع بدلا من أن يكون مصدر غنى وثراء ورابعها أن الأوطان لا تدار إلى ما لا نهاية بمنطق التسويات المؤقتة، بل تحتاج في لحظات معينة إلى مشروع وطني كبير يعيد تعريف الأولويات ويمنح المجتمع هدفا مشتركا.
لبنان والحاجة إلى عقد وطني جديد: ربما لا يحتاج لبنان اليوم إلى اتفاق سياسي جديد بقدر ما يحتاج إلى تجديد فكرة الوطن نفسها، فالأزمة الحالية ليست أزمة حكومة فقط، وليست أزمة اقتصاد فقط، وليست أزمة علاقات خارجية فقط بل إنها أزمة ثقة وأزمة رؤية وأزمة تعريف للمصلحة الوطنية المشتركة. ولهذا فإن أي مشروع إنقاذ حقيقي لا يمكن أن يقتصر على الإصلاحات الاقتصادية أو المعالجات المالية، على أهميتها، بل يجب أن يشمل أيضا إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع وبين اللبنانيين أنفسهم. فلبنان الآن يحتاج إلى الانتقال من منطق إدارة الانقسام إلى منطق صناعة التوافق ومن ثقافة الخنادق السياسية إلى ثقافة الدولة ومن ذاكرة الصراع إلى ذاكرة المستقبل.
خاتمة:
يشبه لبنان اليوم سفينة نجحت مرارا في النجاة من العواصف، لكنها لم تصل بعد إلى المرفأ الآمن. فكل أزمة يتم تجاوزها تكشف أن المشكلة لم تكن في العاصفة وحدها، بل في هشاشة البنية التي تواجهها.
لقد أوقف اتفاق الطائف الحرب، لكنه لم ينه بالكامل آثارها النفسية والسياسية والاجتماعية. وما زالت تلك الآثار تظهر كلما اهتزت التوازنات أو تصاعدت التوترات أو برزت خلافات حول قضايا مصيرية.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يواجه اللبنانيين اليوم لا يتعلق فقط بكيفية إدارة الخلافات، بل بكيفية تجاوزها، فالبلدان لا تقاس فقط بقدرتها على النجاة من الأزمات، بل بقدرتها على التعلم منها وتحويلها إلى فرصة لإعادة البناء.
وإذا كانت الجزائر قد نجحت في تحويل صفحة مؤلمة من تاريخها إلى نقطة انطلاق نحو الاستقرار، فإن لبنان يمتلك بدوره كل المقومات التي تسمح له بخوض مسار مشابه، شرط أن تتوافر الإرادة السياسية والشجاعة الوطنية والرؤية الجامعة، فالمصالحة الوطنية ليست ترفا سياسيا في لبنان، وليست مجرد شعار يرفع في المناسبات. إنها، ربما أكثر من أي وقت مضى، نقطة الارتكاز التي يحتاجها الوطن للخروج من دائرة انقسام إلى أفق الدولة، ومن ذاكرة الجراح إلى مشروع المستقبل.