بيروت - لبنان

اخر الأخبار

23 نيسان 2026 12:00ص أنابيب نفط التابلاين وكركوك - طرابلس: لبنان بين أنابيب ماتت وممرات جديدة وُلدت بدونه

حجم الخط
البروفسور ميشال فريد الخوري

عند الحديث عن أمن الطاقة في الشرق الأوسط، يتجه التركيز غالباً إلى ناقلات النفط والممرات البحرية الحساسة مثل مضيق هرمز وباب المندب. لكن هناك جانباً آخر أقل حضوراً في النقاش، وهو جغرافيا خطوط الأنابيب. فقبل أن تصبح الموانئ والمضائق محور الاهتمام اليومي، كانت خطوط الأنابيب الممتدة من حقول النفط في الخليج إلى البحر المتوسط ترسم مسارات بديلة للتجارة والنفوذ. في هذا السياق، يبرز خطان تاريخيان: التابلاين، الذي ربط شرق السعودية بمنشآت الزهراني في جنوب لبنان، وخط كركوك – طرابلس، الذي نقل نفط شمال العراق إلى الساحل اللبناني. ورغم توقفهما منذ زمن، فإن دلالاتهما الاستراتيجية لا تزال حاضرة. يعود الحديث عن هذين الخطين كلما تصاعدت المخاطر في الخليج العربي أو البحر الأحمر، لذلك يسأل المراقب: هل يمكن للأنابيب البرية إلى المتوسط أن تكون بديلاً استراتيجياً قادراً على تعويض تعطّل المضائق؟ اليوم، يزداد هذا السؤال أهمية مع صعود فكرة «الممرات» عالمياً، خاصة المشروع الصيني (الحزام والطريق أو طريق الحرير) الذي يربط الصين بالمتوسط عبر تركيا، ومشروع IMEC الذي يربط الهند بالخليج العربي ومنها إلى ميناء حيفا على البحر المتوسط. هذه المشاريع الضخمة لا تمر في لبنان، وتنظر إلى الشرق الأوسط كحلقة وصل بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، وليس مجرد مصدر للطاقة (كريستينا لين، 2019؛ فابيو إنديو، 2021).
خط كركوك – طرابلس: تشير بيانات (غلوبال إنرجي مونيتور، 2026) إلى أن خط كركوك-طرابلس نشأ ضمن شبكة شركة نفط العراق في ثلاثينيات القرن الماضي. يمتد الخط من كركوك - بيجي - حديثة - القائم - البادية السورية - حمص - نطاق تلكلخ - سهل عكار/العبدة - دير عمار - البداوي وصولاً إلى منشآت طرابلس، بطول يقارب 928 كيلومتراً وقدرة وصلت إلى نحو 410 ألف برميل يومياً. لكن الأهم من الأرقام هو الجغرافيا: فهذا الخط يمر عبر الفجوة الطبيعية التي تصل الداخل السوري بالساحل اللبناني وفق فلسفة تخطيط تعتمد على استخدام الممرات الطبيعية بدلاً من الالتفاف عليها. تم الاتفاق على إنشائه خلال عهد رئيس الجمهورية اللبنانية شارل دباس (1926–1934). وقد جاء المشروع ضمن امتيازات شركة نفط العراق في أواخر العشرينيات، وبدأ تنفيذ الخط مطلع الثلاثينيات، قبل أن يدخل الخدمة عام 1934. وقد موّلته بالكامل شركة نفط العراق، وهي تحالف (كونسورتيوم) كان يضم شركات بريطانية وفرنسية وأميركية (مثل BP و Shell) وكانت تمتلك امتياز استخراج ونقل النفط من العراق، وبالتالي تكفّلت بكامل تكاليف الإنشاء مقابل حقوق طويلة الأمد في الإنتاج والتصدير، بينما كانت الدول التي يمرّ بها الخط (ومنها لبنان) تحصل على رسوم عبور محدودة. توقف خط كركوك – طرابلس لأن سوريا علّقته عام 1984 خلال الحرب العراقية – الإيرانية دعماً لإيران ضد العراق، ثم تحوّل التوقف السياسي مع الوقت إلى تعطّل دائم بسبب عدم الصيانة والاهتراء والسرقة والكلفة العالية لإعادة التأهيل.
خط التابلاين (بقيق – الزهراني): بدأ مشروع التابلاين بهدف نقل النفط السعودي إلى المتوسط دون المرور بفلسطين بعد عام 1948. في البداية، كان المخطط الوصول إلى حيفا، لكن التحوّلات السياسية فرضت مساراً جديداً عبر السعودية والأردن وسوريا وصولًا إلى لبنان، حيث انتهى في الزهراني قرب صيدا (آشر كوفمان، 2014). إمتدّ الخط من منطقة بقيق - القيصومة شرق السعودية شمالًا عبر مناطق صحراوية واسعة، مروراً برفحاء وعرعر وطريف والقريات ثم دخل الأردن في محيط العمري والأزرق ثم أكمل عبر البادية السورية وصولاً إلى جنوب لبنان عبر قضاء حاصبيا/العرقوب - مرجعيون - كفررمان - حبوش - دير الزهراني - الزهراني. ورغم اختلاف التقديرات بين المراجع حول طوله، بسبب طريقة احتساب المقاطع المرتبطة بالخط والمنشآت الملحقة به (محطات ضخ وغيرها)، لكنه لا يغيّر حقيقة أنه كان من أكبر مشاريع الطاقة في المنطقة وقتها (سعوديبيديا؛ محفوظات الجامعة الأميركية في بيروت، 2025). فالمراجع السعودية تشير إلى أن طول الخط يصل إلى 1648 كيلومتراً، فيما تورد محفوظات الجامعة الأميركية طولاً يقارب 1214 كيلومتراً. تم الاتفاق على مروره في لبنان وتشغيله خلال عهد الرئيس بشارة الخوري (1943–1952)، وقد بدأ تشغيله فعلياً عام 1950 بعد توقيع الاتفاقيات مع الدول المعنية ومن ضمنها لبنان. وقد أنشأته ومولته شركة التابلاين، وهي شركة تابعة لتحالف شركات النفط الأميركية العاملة في السعودية، وعلى رأسها أرامكو آنذاك. وقد تحمّلت هذه الشركات كلفة المشروع بالكامل، مقابل تسهيل تصدير النفط السعودي إلى أوروبا عبر المتوسط. بدأ التابلاين بقدرة تقارب 300 ألف برميل يومياً، ثم بعد إضافة محطات ضخ وتوسعات ارتفعت طاقته إلى نحو نصف مليون برميل يومياً في ذروة تشغيله. ما يميّز التابلاين ليس حجمه فقط، بل طريقة تصميمه؛ فقد تجنّب المدن الكبرى، ومرَّ عبر الصحراء، في قرار لم يكن هندسياً فقط، بل سياسياً أيضاً، آخذاً بعين الاعتبار الابتعاد عن المناطق المأهولة الذي قلّل من التعقيدات الإدارية والأمنية، وجعل تشغيله أكثر سلاسة. توقف التابلاين لأن العوامل السياسية رفعت كلفته، والحروب عطّلته، ومع تطور النقل البحري وظهور بدائل سعودية أكثر أماناً وفعالية، تراجعت الحاجة إلى الخط حتى خرج نهائياً من الخدمة عام 1990.
قيمة هذين الخطين: القيمة الحقيقية لهذين الخطين كانت في قدرتهما على تجاوز الاختناقات البحرية، فمضيق هرمز وباب المندب لا يزالان من أكثر النقاط حساسية في تجارة النفط عالمياً؛ وحتى البدائل الحالية، مثل خط الشرق – الغرب في السعودية، لا تلغي المخاطر بالكامل، بل تنقلها من نقطة إلى أخرى (إدارة معلومات الطاقة الأميركية، 2025). أما الوصول إلى المتوسط عبر البر، فيعني تقليل الاعتماد على هذه الممرات الحسّاسة. لذلك، فإن استخدام هذين الخطين براً لا يلغي مخاطر الخليج العربي والبحر الأحمر فقط، بل يوفّر تكاليف عبور سفن النفط عبر قناة السويس؛ فكلفة عبور سفينة محملة 100,000 طن من النفط عبر قناة السويس تقارب 300,000 دولار حالياً. لذلك، فإن أي مسار بري نحو المتوسط يمنح الدول هامشاً إضافياً من المرونة في خياراتها الاستراتيجية. اليوم، تكتسب هذه الفكرة بعداً جديداً مع مشروع طريق الحرير، الذي يسعى إلى بناء شبكة مترابطة من طرق النقل والطاقة التي تبدأ في الصين وتمتد عملياً إلى إيران وتركيا وصولاً إلى المتوسط (فابيو إنديو، 2021). في هذا الإطار، يصبح المتوسط منصّة توزيع نحو أوروبا، وليس مجرد نهاية الطريق. وقد عززت الصين حضورها في موانئ متوسطية مثل بيرايوس – اليونان وفالنسيا – إسبانيا وغيرها، ما يعكس رؤية بكين في المتوسط كمسرح لوجستي واحد متصل، لا كمرافئ منفصلة (منظمة التعاون الاقتصادي/المنتدى الدولي للنقل، 2020). في هذا السياق، يمكن النظر إلى خطوط مثل التابلاين وكركوك – طرابلس كجزء من تصور أوسع للممرات المتكاملة إلى المتوسط.
إعادة البناء والكلفة: إن إعادة إحياء هذه المشاريع ليست مسألة تقنية فقط، بل سياسية وأمنية بالدرجة الأولى. فالتحديات تشمل الأوضاع في سوريا ولبنان والعراق، إضافة إلى قضايا السيادة والتمويل وسلامة الخطوط التي ليست آمنة في بعض المناطق التي تمر فيها. فسوريا ما زالت ساحة تنازع في بعض المناطق، ولبنان يعيش أزمة سيادية واقتصادية، والعراق يبحث عن توافق داخلي ووحدة وطنية. كما وأن هناك تنافساً بين مشاريع ممرات مختلفة على المستوى الدولي؛ مثل مشروع طريق الحرير، ومشروع IMEC، وهو ممر نقل متكامل للنفط والتجارة (سكك حديدية وبنى تحتية) يبدأ في الهند ويمر في الإمارات والسعودية والأردن وينتهي في ميناء حيفا بإسرائيل. لذلك، قد تكمن أهمية هذين الخطين اليوم في الدروس التي يقدمانها؛ فهما مثَليْن على أن المنطقة ليست محكومة بالممرات البحرية، بل تمتلك أيضاً بدائل برية، كما يسلّطان الضوء على الدور الذي يمكن أن يلعبه لبنان عندما تتوفر الظروف المناسبة. أما بالنسبة للكلفة، فيتوجب التفكير في إعادة بناء كاملة لأن الموجود منه مهترىء وأصبح خردة وقسماً كبيراً منه مفكك ومسروق. فبالمقارنة مع مشروع EACOP الحديث في شرق أفريقيا والذي كلّف قرابة 3.46 مليون دولار للكيلومتر الطولي، ستكون كلفة خط كركوك–طرابلس حوالي 3.2 مليار دولار، وستتراوح كلفة خط التابلاين بين 4.2 و 5.7 مليار دولار حسب الطول الفعلي عند التنفيذ.
في الخاتمة، ليست الأنابيب مجرد بنية تحتية، بل أدوات تعكس قوة البلد وثباته. فالتابلاين عبّر عن سعي سعودي للوصول إلى المتوسط، كما عكس خط كركوك – طرابلس أيضاً محاولة عراقية لفتح نافذة على البحر المتوسط. واليوم، مع عودة التنافس على الممرات العالمية، تعود هذه الخطوط إلى الواجهة كتذكير بأن التحكم في طرق الطاقة يعني امتلاك نفوذ كبير على الساحة الدولية. في عالم يُعاد فيه رسم الجغرافيا عبر ممرات جديدة، يبدو لبنان كأنه يقف على الهامش مراقباً. فمشروع IMEC  يرسم مساراً جديداً يربط الهند بالخليج ومنه إلى البحر المتوسط من دون أن يمر في لبنان، كما أعادت مبادرة الحزام والطريق (طريق الحرير) توجيه الاستثمارات نحو موانئ أخرى في المتوسط أكثر جاهزيةً واستقراراً. لم يعد السؤال: لماذا تم تجاوز لبنان؟ بل أصبح: لماذا لم يعد لبنان قادراً حتى على طرح أو فرض نفسه كخيار؟ فبلدٌ كان يوماً ساحة وصل محورية بين الشرق والغرب، يجد نفسه اليوم خارج أهم مسارين اقتصاديين في القرن الحادي والعشرين. وبين خطوط قديمة ماتت مثل خط التابلاين وخط كركوك – طرابلس، وممرات جديدة تتشكل من حوله، يقف لبنان أمام مفترق حاسم: إما أن يستعيد دوره كجسر إقليمي فاعل، أو أن يتحول نهائياً إلى نقطة معزولة على هامش الخريطة الاقتصادية الدولية.