في الثالث والعشرين من نيسان من كل عام، يحتفل العالم بـ«اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف»، هذا اليوم الذي لا يُعدّ مجرد مناسبة ثقافية عابرة، بل محطة إنسانية عميقة تُجدّد فيها الأمم عهدها مع الكلمة، ومع الفكر الحرّ، ومع الإبداع الذي يُشكّل جوهر الحضارة الإنسانية.
فالكتاب لم يكن يوماً مجرد أوراق تُقلب، بل كان ولا يزال وعاءً للمعرفة، وجسراً بين الشعوب، ووسيلةً لنقل التجارب الإنسانية عبر الزمن. به حفظت الحضارات تاريخها، ومن خلاله تطوّرت العلوم، ونضجت الأفكار، وتشكّل وعي الإنسان بحقوقه وواجباته.
أما حقوق المؤلف، فهي الوجه القانوني الذي يحمي هذا الإبداع، ويصون جهد الكاتب من الاعتداء أو السرقة أو الاستغلال غير المشروع. فكما أن للإنسان حقاً في ملكيته المادية، فإن له أيضاً حقاً أصيلاً في ملكيته الفكرية، التي تُعدّ امتداداً لشخصيته ونتاجاً لعقله وجهده.
وعليه، جاء اليوم العالمي للملكية الفكرية وذلك في 26 نيسان/أبريل من كل عام، ليؤكد أن احترام حقوق المؤلف ليس ترفاً قانونياً، بل هو ركيزة أساسية لبناء مجتمع يحترم العدالة ويُشجع الابتكار. فحين يشعر الكاتب أن عمله مصان، يُقبل على الإبداع بثقة، وتزدهر الحركة الثقافية، وتتقدم المجتمعات.
وفي عالمنا العربي، لا تزال الحاجة ملحّة لتعزيز ثقافة القراءة من جهة، وترسيخ احترام حقوق الملكية الفكرية من جهة أخرى. إذ لا يكفي أن نحتفي بالكتاب يوماً واحداً، بل يجب أن نجعل منه رفيقاً دائماً في حياتنا، وأن نُربي الأجيال على تقدير قيمة الفكر والإبداع.
إن هذا اليوم يدعونا جميعاً - قرّاءً وكتّاباً ومؤسسات - إلى وقفة تأمّل: ماذا قدّمنا للكتاب؟ وهل احترمنا حقوق مؤلفيه؟ وهل أسهمنا في نشر المعرفة أم في انتهاكها؟
فلنجعل من هذا اليوم نقطة انطلاق نحو مجتمع قارئ، واعٍ، يحمي الفكر كما يحمي الأرض، ويُدرك أن بناء الإنسان يبدأ من الكلمة.
فالكتاب حياة... وحقوق المؤلف كرامة.
ويقف العالم عند محطة قانونية وثقافية بالغة الأهمية، هي «اليوم العالمي للملكية الفكرية»، الذي أقرّته المنظمة العالمية للملكية الفكرية ليكون مناسبةً لتسليط الضوء على دور الإبداع والابتكار في بناء المجتمعات، وحماية الحقوق التي تنبثق من العقل البشري.
إن الملكية الفكرية ليست مفهوماً قانونياً جامداً، بل هي تعبير حيّ عن قيمة الإنسان المفكر، المبدع، المنتج للمعرفة. فهي تشمل حقوق المؤلف، وبراءات الاختراع، والعلامات التجارية، والتصاميم الصناعية، وغيرها من الأشكال التي تُجسّد الجهد الذهني وتحوّله إلى قيمة اقتصادية وثقافية.
وفي زمن العولمة والانفتاح الرقمي، أصبحت التحدّيات التي تواجه الملكية الفكرية أكثر تعقيداً، إذ بات من السهل نسخ الأعمال وتداولها دون إذن أصحابها، مما يُعرّض حقوقهم للانتهاك، ويُضعف الحافز على الابتكار. من هنا، تبرز أهمية وجود منظومة قانونية متكاملة، قادرة على حماية هذه الحقوق، ومواكبة التطورات التكنولوجية المتسارعة.
إن احترام الملكية الفكرية لا يقتصر على كونه التزاماً قانونياً، بل هو سلوك حضاري يعكس وعي المجتمع بقيمة الإبداع. فالدول التي تحمي عقول مبدعيها، إنما تؤسس لمستقبل مزدهر قائم على المعرفة والابتكار. أما تلك التي تُهمل هذه الحماية، فإنها تُفرّط بثروتها الحقيقية.
وفي عالمنا العربي، لا تزال الحاجة قائمة لتعزيز ثقافة الملكية الفكرية، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات. فالتوعية القانونية، وتحديث التشريعات، وتفعيل آليات الرقابة، كلها عناصر ضرورية لضمان بيئة آمنة للمبدعين، تُشجعهم على الإنتاج دون خوف من الاعتداء على حقوقهم.
إن هذا اليوم ليس مجرد احتفال، بل هو دعوة صريحة إلى إعادة الاعتبار للعقل البشري، وإلى صون نتاجه من العبث والاستغلال. إنه تذكير بأن الإبداع لا يزدهر إلّا في بيئة تحترم الحقوق، وتُقدّر الجهد، وتُكافئ الابتكار.
فالملكية الفكرية ليست فقط حقاً... بل هي أساس النهضة وركيزة التقدّم.
* عضو الهيئة العامة لاتحاد الكتّاب اللبنانيين
الأمين العام الأسبق لاتحاد المحامين العرب