يأتي تناولنا لهذا العمل، الذي يُعتبر أيقونة الفنّ الحديث للفنّان الأسباني «بابلو بيكاسو» Pablo Picasso، في هذا الوقت بالذات نظراً لارتباطه بالحرب، الحرب التي كانت دائرة حينها في أسبانيا، وقيام النازية بقصف الغرنيكا، بلدة بيكاسو، موطنه الأصليّ قبل مجيئه إلى فرنسا، حيث جسّد في هذا العمل معاناة الإنسانيّة من الحروب والقتل والتدمير، وهو ما نعيشه حالياً في هذا الوطن مع هذه الحرب الضروس الأشدّ وحشيّة، والتي تُعتبر الأقصى عبر التاريخ بسبب عنفها وإجرامها وتدميرها الجسديّ والنفسيّ لسكّان المنطقة، ولا سيّما في هذا الوطن، لبنان.. علّ هذه الإطلالة تُذكّر الإنسانيّة بالظلم الذي نعيشه حيث تغيب غرنيكانا عن عيون وأفئدة وضمائر العالم أجمع..
أقيم سابقاً في باريس معرض لبيكاسو اشتمل على مخطوطات، رسوم، حفر، تحت عنوان «القلم الذي يتكلّم». تناول المعرض الرسوم التمهيديّة التي قام بها الفنّان قبل تنفيذ لوحته الشهيرة «غرنيكا»، التي تحوّلت إلى أيقونة الفنّ الحديث لما تحتويه من رسالة إنسانيّة وتشكيليّة غير مسبوقة بالمعنيين الجماليّ والدلاليّ.
إنّ تحفة بيكاسو المذكورة هي أيضاً لوحة «تتكلّم»، لكنها تتكلّم بلغة تصويريّة خاصّة، ليس بعقائد سياسيّة أو جماليّة متعلّقة باللحظة المعاشة. هذا ما يُبيّنه النصّ التالي بناءً لما تقوله صاحبته، مؤرّخة الفنّ الألمانيّة، «روزي هان» Rosi Huhn حول لوحة بيكاسو «الغرنيكا» (التي كانت موضع أطروحة الدكتوراه لهذه الباحثة) التي تُعيد في هذه المقالة كلّ التعقيدات والفضيلة النقديّة لهذه اللوحة، في مجلّة «آر برس» Art press الفرنسيّة، بعكس الخطابات التي تسعى لصنع صورة ملوّنة من شيء جذّاب استهلاكيّ.
مقاربة أيقونيّة: هي لوحة جداريّة للفنان بابلو بيكاسو، استوحاها من قصف غرنيكا - الباسك، حين قامت طائرة حربيّة ألمانيّة إيطاليّة مساندة لقوات القوميّين الأسبان بقصف البلدة في 26 نيسان 1937 بغرض الترويع خلال الحرب الأهليّة الأسبانيّة، وكانت حكومة الجمهوريّة الأسبانيّة الثانية (1931- 1939) قد كلّفت بيكاسو بإبداع لوحة جداريّة لتُعرض في الجناح الأسبانيّ في المعرض الدوليّ للتقنيّات والفنون في الحياة المعاصرة في باريس عام 1937.
العمل مُنفّذ بتقنيّة الزيت على القماش بألوان الأسود والأبيض والرماديّ والأزرق الداكن، بقياس 3,51x7,825 m، توجد حاليًّا في مُتحف البرادو Prado في مدريد.
إذا نظرنا إلى العمل، وقرأناه من اليمين إلى اليسار، كما نقرأ لغتنا العربيّة، لرأينا مخلوقات إنسانيّة وحيوانيّة مُفكّكة الأوصال، ومتداخلة على امتداد مسطّح اللوحة، تذهب في كلّ الاتجاهات؛ وجوه صارخة ومنتفضة، أيدٍ مرتفعة وممدّدة عموديًّا وأفقيًّا؛ رجال، نساء، أطفال، حصان، ثور.. على خلفيّة سوداء ورماديّة. وحده الضوء المُعلّق بالسقف يُنير هذه المجزرة، ويفضحها باللون الأبيض الصافي والرماديّ..
تُسيطر على اللوحة أساليب متعدّدة الانتماءات، ولا سيّما التكعيبيّ والسورياليّ والبنائيّ..
القراءة: لو تساءلنا اليوم حول المكانة المحدّدة التي تحتلّها «غرنيكا» بيكاسو، لا نستطيع الهرب من الاستنتاج التالي: هذه التحفة الفنّيّة المسمّاة صرح الفنّ الحديث، لا يمكن اعتبارها، أو وصفها مستقلّة عن الترحيب الرائع الذي خُصّص لها منذ أكثر من ثمانين عاماً، والأسطورة التي أحاطت ببيكاسو. إنّ مقاربتنا لا تستطيع أن تقدّم تجريداً أو أساطير، ولا أيّ شيء أحاطها، وأحاط الفنّان: هي أيضاً تخضع، بناءً لحالة النقاشات والأبحاث، لتحوّل دائم. كيف باستطاعتنا اليوم إدراك الغرنيكا بعد نظريّات ما بعد الحداثة الناتجة عن «التفكيك».
هل هي لوحة حدث، أم لوحة تاريخيّة؟
نبدأ بالخاصّيّة الرمزيّة والدالّة للغرنيكا، معتبرة في آن كحدث تاريخيّ وتظاهرة سياسيّة وفنّيّة. نسأل، بمواجهة العمل، حول «الفرق» الذي يسمح لنا، متجاوزين مستويات الوصف، من الرمزيّ والدلاليّ، بالإحساس، أو الشعور بالتناقض بين الدال Le significant والمدلول Le signifié (اللذين يُشكّلان العلامة Le signe) تناقض، كما سأحاول برهنته، طوّره بيكاسو ضمن برنامج جماليّ. تجسّد الغرنيكا حدثاً تاريخيًّا يتعلّق بالحرب الأهليّة الأسبانيّة، دون إظهاره مع ذلك بطريقة تسمح لنا بالتعرّف على مدينة الباسك الأسبانيّة وإخلائها من ساكنيها من قبل النازيّين. هو العنوان، وحده، من يُعطي المرجع التاريخيّ. التعارض بين ما نعرفه وبين ما نراه في العمل هو واضح؛ يُشكّل أحد عناصر المفاهيم الفنّيّة لبيكاسو.
إنّ غياب الإشارة إلى الزمن والمكان في الغرنيكا يسمح للعمل بالنهوض من مرتبة أو درجة الاستيلاء التصويريّ ضد الحرب الحديثة للضمان العينيّ، من هيروشيما، وأيضاً الحروب المحتملة باللايزر وما يشابهها ويحاكيها، وفيها «تلقائيّ وأوتوماتيكيّ».. آلة الحرب مع أسلحتها الذكيّة، وبالكاد لا يمكن رصدها وكشفها، تُحدّد الصراع كما يقول «بول فيريليو» Paul Virilio.
بنفس الطريقة، تمثّل العنفُ بأشكال قديمة تُعطي للحرب بُعداً «فوق الصدغيّ» (الحفرة الصدغيّة في الجمجمة): «تلك التي تعني المشهد الخياليّ لإعدام الخصم، بهدف إمساك معانيه والاندفاع أو التسرّع قبل أن يموت في قلق الموت» حسب «فيريليو».
إنّ خصوم آلة الحرب غير المرئيّة في الغرنيكا هم الرجال والحيوانات، في الوقت نفسه، بكلّ بساطة، الحياة، الطبيعة، الثقافة والحضارة. خصم ذلك موجّه الهجوم، هو أيضاً بالنهاية المشاهد الذي لا يبقى مأخوذاً بهذيان التدمير الصافي دون أن يكون بذاته الضحيّة. هذا الاعتداء مُثار في حينها من قِبل معجبة بالغرنيكا من خلال تلك العبارات: «لا أفهم ما يعنيه ذلك، لكن هذا يربكني، أشعر بعدم الارتياح.. هذا ما يجعلني أشعر وكأنّه تمّ تقطيعي إلى أجزاء».
مع وجود القنبلة النوويّة وأسلحة الفضاء، مسرح الحرب التقليديّة - حيث الممثّلون هم الرجال - اُستبدلوا بـ«أسلحة المسرح» - يقودون الحرب وحدهم - العبارتان هما مخارج المصطلح العسكريّ. كان ردّ بيكاسو بأسلحة التصوير. هذه الأشياء تقاوم الإخراجات المسرحيّة لوسائل إعلام الحرب بالصور في وسائل الإعلام وفي الأفلام، بدرجة أنّها لا تُشبع إدراك المشاهد المسترق النظر معظم الوقت. هكذا يشعر مشاهد الغرنيكا إنّه مستجوَب ومُضطرِب.
رغم ذلك، هذا العمل لا يمكن تصوّره دون وسائط الإعلام الحديثة والتقارير عن الحرب في أسبانيا، التي، في تاريخ هذه التقارير، تثبت إلى أيّ حدّ «تاريخ الصراعات هو قبل أي شيء تحوّل حقولها الإدراكيّ».
هنا تكمن مشكلة جماليّة وأثنيّة تهمّ بيكاسو في الغرنيكا. إذا لم يكن هناك تمثيل للحرب، فالحرب لا يمكن أن توجد. فالفنّ، إذن، يشترك في تخيّله، لا يكون بريئاً. في هذه الحالة فإنّ غرنيكا هي لوحة مرتبطة، وفي الدعوة إلى الفنّ ليتبنّى مركزاً مسؤولاً.
عقيدة سياسيّة؟
دخلت الغرنيكا أيضاً في التاريخ كتظاهرة لعقيدة سياسيّة، هي ارتباط بيكاسو في أسبانيا بـ«الجبهة الشعبيّة» للجمهوريّة الأسبانيّة. هذا التفسير يطرح نفسه عندما يشترك بيكاسو، أثناء «معرض باريس الدوليّ» 1937، بالتنفيذ الفنّيّ لجناح «الجمهوريّين الأسبان» Républicains espagnols، جناح حيث بدأ تطوير أو تشكّل عمل سياسيّ للمعلومات ودعم أولئك الذين يصارعون في أسبانيا ضد عصابات «فرانكو». هذه الخيارات السياسيّة والفنّيّة لبيكاسو، وفي نفس الوقت هذا الانقلاب البارع على مسطّح إرث اللوحة (هي السلطة الجمهوريّة التي اشترتها، بشكلٍ رمزيٍّ)، ربطت بشكل نهائيّ مصير الغرنيكا بالمصير السياسيّ لأسبانيا الجمهوريّة. تبقى اللوحة بهذا الشكل حتى عودتها إلى أسبانيا عام 1987، لوحة في المهجر ذات تأثير سياسيّ متفجّر دائماً. لكن كلّ هذه الوقائع التاريخيّة، السياسيّة والتجاريّة لا يُمكنها أن تجد الإجابة الفنّيّة لبيكاسو.
هنا يُكمن الارتباك الأقصى، ومعه نزاعات التفسير التي تُنتج عنها. تجنّب بيكاسو كلّ رمز سياسيّ واضح كالمنجل والمطرقة التي تُظهر بشكل واضح في بعض الرسوم التمهيديّة.
عندما يُقارب البعض لبيكاسو انتهازيّته وتعلّقه بمفهوم العمل «التلقائيّ»، دون مرجع سياسيّ، ويرى آخرون في ارتباط بيكاسو بـ«منصّة» أكثر عموميّة للجبهة الشعبيّة وأهدافها ومصالحتها السياسيّة، في نفس الطريقة، فإنّ خصائصها البنائيّة الظاهرة في العمل، والدمار، والتفكيك، واللامركزيّة، وأموراً أخرى، يُمكنها الدعوة لرؤية عمل فوضويّ. وللانتهاء، فإنّ الغرنيكا يمكن تفسيرها كاتجاه معاكس للسياسة الفاشيّة مُقادة ضدّ «الفنّ المنحطّ» في ألمانيا النازيّة، سياسة مدعومة من قِبَل حركة «ضدّ - الفنّ الحديث» سنة ولادة اللوحة. في نفس الوقت، تًمثّل غرنيكا أيضاً النقيض لـ«عودة النظام» و«الكلاسيكيّة - الجديدة» الفرنسيّة.
العمل وحده لا يسمح لنا بتقرير لونه السياسيّ. إجابة واضحة يمكنها أيضاً أن تكون متروكة لتعسّف التحليل. يجب على المشاهد أن يدخل بطريقة فعّالة في الحدث التصويريّ ومنعطفاته ومنعرجاته المرئيّة. يجب، وراء الحدس، والإدراك، والتحليل، بالنهاية، عمل الذاكرة، إعادة البناء والتفكيك، وتطوير لوحة معقّدة، وليس عملاً معروفاً سابقاً، لوحة فيها، بنفس الطريقة، «أثر الأثر، وأثر محو الأثر» (كما يقول جاك دريدا Derida)، يجب أن يكون مفكّراً فيها بالتزامن. إنّ الاستقبال المخصّص للوحة يجب أن يكون إنتاجاً طموحاً، لا يكتفي العمل من غرنيكا بأن يكون نتاجاً للاستهلاك.
تظاهرة فنّيّة؟
لا يُمكننا تصنيف غرنيكا ضمن أيّة حركة فنّيّة لسنوات الثلاثين من القرن الماضي، التي كانت تُسمّى حينها بشكل رئيس بالسورياليّة Le Surréalisme، الواقعيّة Le Réalisme، الواقعيّة (الاجتماعيّة أو الجديدة)، فنّ تجريديّ Art abstrait، أو كلاسيكيّة - جديدة Néo- classicisme، ولا ضمن أيّة حركة نظريّة فنّيّة للسنوات التي تلت. ومع ذلك، نسلّم أنفسنا عمليًّا لكلّ الجهات، وهذا ضمن دورة الجدل الطويل، لمحاولة الوسم هذه. في المقابل، فإنّ للغرنيكا صلة مع كلّ تلك الحركات الفنّيّة دون أن نقدر، رغم ذلك، على تصنيف هذا العمل، بناءً للصيغ، ضمن إحداها؛ وهذه المسافة تسمح برؤية نقديّة لهذه الحركات، فإنّ غرنيكا تنتصب ضمن النقد الفنّيّ الحيّ.
رغم أنّ بيكاسو يستخدم أيضاً في هذا العمل لساناً لغويًّا Un langage تصويريًّا تجريديًّا مع عناصر من التكعيبيّة Le Cubisme، من المستقبليّة Le Futurisme، من البنائيّة Le Constructivisme، وحتّى الوظيفيّة Le Fonctionnalisme (ترابط الأجزاء). أرى مع ذلك في الغرنيكا ثورة ضد تجريد يُقدّم نفسه ضمن ورثة الطليعيّين، وحيث المرسلة الاجتماعيّة الطوباويّة تجد نفسها بحجمها الحقيقيّ، وعلى بساط البحث، من خلال واقعيّة سنوات الثلاثين: أزمة، فاشيّة، حرب..
لفت أحدهم الانتباه إلى خطر التجريد العقليّ الذي يُمكنه القيادة نحو تلاعب الكتل (أو الجماهير) عبر التعريف التالي: «التجريد هو التعبير عن عقلانيّة تنغلق، ولا تُعطي للعقل ما ينتمي إليه». بنفس الطريق، تنبذ غرنيكا الخلفيّة غير المعقولة للعقلانيّة حيث اللوحة تتقاطع، مثلاً، مع النسق الهندسيّ للفضاء. هذا الشيء كان موصولاً بشكل دقيق بمثاليّة تشتمل على الاعتقاد بأنّ العلم يُمكنه أن يُهيمن على العالم كقاعدة ألعاب الحرب الاستراتيجيّة (أنظر إلى جزء في اللوحة حول بناء الأبعاد Les perspectives). رغبة انتصار التفريق بين الداخل والخارج لخلق الشفافيّة والثغرة التي تسير جنباً إلى جنب مع الوعد الاشتراكيّ والشيوعيّ لرفع المعارضة بين الخاصّ والجمهور، ممثّلاً بيوتوبيا جماليّة. تكشف هذه عن انحرافها في الغرنيكا، طالما أنّ الحرب والفاشيّة صنعا من هذا التفسير للداخل والخارج شيئاً لا مفرّ منه، مستحوذاً عليه من خلال العنف.
القيم، العلامات، الرموز، صيغ التمثيل، مُعتبرة كقوى كبيرة مُنتجة للفنّ وتاريخه، الكلّ كتقرير كلاسيكيّ للشكل والعمق، اُختصُر إلى العدم في الغرنيكا. هنا تكمن عقيدة الفنّ الحديث. مع هذا العمل، وضع الفنّان نهاية لهذا الاتجاه لسنوات الثلاثين لشحن العلامات أو الرموز لهذا المحتوى التداوليّ Paradigmatique، وذاك (نستطيع استخراج تجريدات خالية من المعنى..)، لكنّ فعل الدمار الجماليّ عند بيكاسو يتمظهر كـ«ثورة الفنّ» المتطرّف، ليس فقط تعبيراً عن أزمة عامّة للعقل، بل تُقيم حاجزاً أمام الإنسان. إنّ النقد المقام على عالم التمثيل الديكارتيّ يُقارب الغرنيكا كمشروع تصويريّ سورياليّ. هنا يرتسم النقد الذاتيّ لفنّ حديث يُراهن على اعتقاد مكرّس للتقدّم العلميّ والتقنيّ. «ثورة الفنّ» في الغرنيكا هي النتيجة الجماليّة للـ«الثورة التقنيّة»، كما وصفها «والتر بنجامين» Walter Benjamin عام 1936 بقوله: «تقنيّة تحتجّ بشدّة لتكون مُحبطة من قِبل المجتمع بمادّته الطبيعيّة، وينزع تعويضات للعتاد الإنسانيّ».
الغرنيكا لا تثور فقط ضدّ «التجريد الخالي من المحتوى»، لكنّها أيضاً ضدّ «التشبيه الزائف» Pseudo- figuration الذي اشتمل على توجّه رجعيّ نحو قيم فنّيّة لتسلسلات هرميّة Hierarchies من الماضي، ولا تبحث فقط عن إعادة تأهيلها في الظاهرة الدوليّة لـ«الكلاسيكيّة الجديدة» والجماليّة الفاشيّة، ولكن أيضاً في الاتجاهات الواقعيّة المرتبطة اجتماعيًّا. «تأخّرها الجماليّ» Son retard esthétique كان مُعرّضاً لخطر أن يُصبح «الشاهد لمؤشّر دليليّ لهذه «الضدّ حقائق التاريخيّة»، كما صرّح أحدهم.
أبحاث كثيرة حول الغرنيكا ترتبط بفكّ شيفرة الأوهام الإيقونوغرافيّة، مُسجّلة في تاريخ الفنّ، في حين أنّ العولمة (التجريد) ينغلق على كلّ محاولات فكّ التشفير الصريح.. نظريّات أخرى متعدّدة هي سجينة هذا الاحتفال بتظاهرة التجريد. لكنّ التعارض بالنسبة لبيكاسو هو مبدأ إنتاجيّ ونوع من المولّد لعمل نقديّ جماليّ يحتوي النقد الذاتيّ.
سؤال أخير نطرحه نهاية القول: لو كان بيكاسو بيننا في الوقت الحالي، وعايش هذا الإجرام غير المسبوق في الحروب وتقنيات القتل والتدمير، ولا سيّما الحرب التي نمرّ بها، ماذا عساه يفعل ويقول؟ لقد سبقته الدولة الأسبانيّة برفضها لهذه الحرب العبثيّة المفروضة على العالم الصامت الخاشع للقتل والهيمنة والذلّ والبشاعة!! التحيّة لكلّ محبّ للسلام والفنّ والتقارب بين الشعوب والقلوب..
الغرنيكا ليست مُرسلة فنّيًّة ضد حرب النازيّة، والفاشيّة، وفرانكو فقط، بل هي تنبذ وتُدين وتواجه كلّ الحروب وأزمنتها مهما ارتبطت في التاريخ، ماضياً، حاضراً، ومستقبلاً..
د. يوسف غزاوي
فنّان تشكيليّ وأكاديميّ