بيروت بين العتمة والعطش... والدولة في قفص الاتهام
أحمد خالد يافاوي
حين تعجز الدولة عن إنارة عاصمتها وسقيها، يصبح السؤال: من يحاسب؟
عندما تعطش العاصمة، لا يكون العطش عطش ماء فقط، بل عطش دولة إلى الكفاءة، وعطش إدارة إلى المسؤولية، وعطش وطن إلى العدالة. وعندما تغرق بيروت في العتمة، فإن الظلام لا يلف شوارعها وحدها، بل يطال صورة لبنان كلها.
لم تعد أزمة الكهرباء والمياه في بيروت أزمة خدمات عامة، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على القيام بأبسط واجباتها تجاه مواطنيها. فالعاصمة السياسية والإدارية والاقتصادية للبنان لا يجوز أن تتحوّل إلى مدينة تبحث عن الماء والكهرباء، فيما تُرفع شعارات الإصلاح، وتُطلق الدعوات إلى الاستثمار، ويُطلب من اللبنانيين في الاغتراب العودة إلى وطنهم.
كيف يمكن لدولة أن تدعو المستثمر الخليجي والعربي والأجنبي إلى الاستثمار في لبنان، بينما تعجز عن تأمين الكهرباء والمياه لعاصمتها؟ وكيف يمكنها أن تطلب من اللبناني المغترب أن يعود ويستثمر، فيما المواطن الذي بقي في أرضه، وتحمل الانهيار بكل مراحله، لا يجد ماءً في منزله ولا كهرباءً تحفظ له الحد الأدنى من الحياة الكريمة؟
أي مستثمر يبحث أولاً عن الشعارات؟ المستثمر يبحث عن بنية تحتية، وكهرباء، ومياه، واستقرار، وإدارة شفافة تحترم القانون. فإذا كانت العاصمة نفسها عاجزة عن تأمين هذه المقومات، فأي رسالة يوجهها لبنان إلى العالم؟
وماذا عن المواطن البيروتي؟ أليس هو الأولى بالرعاية؟ أليس هو الذي دفع الضرائب والرسوم، وتحمل انهيار العملة، وخسر مدخراته، وبقي في وطنه عندما غادر كثيرون بحثاً عن مستقبل أفضل؟ لماذا يشعر اليوم أن الدولة تطلب منه الصبر بلا حدود، بينما لا تقدم له الحد الأدنى من حقوقه؟
كيف تعمل المستشفيات بلا كهرباء ومياه؟ وكيف تستمر المدارس والجامعات في أداء رسالتها؟ وكيف تستقبل الفنادق زوارها؟ وكيف يحافظ أصحاب المؤسسات والمحال التجارية والمطاعم والمقاهي على أعمالهم في ظل هذا الانهيار؟
الكهرباء والمياه ليستا رفاهية، بل أساس الصحة، والتعليم، والاستثمار، والاقتصاد، والحياة الكريمة.
لقد تحمّلت بيروت أكثر مما ينبغي. تحمّلت الحروب والاعتداءات والانفجارات، والانهيار الاقتصادي والمالي، والضغط الهائل على بنيتها التحتية وخدماتها، وكانت دائماً مدينة لكل اللبنانيين. ومع ذلك، تبدو اليوم وكأنها آخر الأولويات.
ألا يكفي البيروتي الغلاء الفاحش الذي يلتهم دخله؟ ألا يكفيه التلوث الذي يخنق مدينته؟ ألا تكفيه ساعات الاختناق المروري صباحاً ومساءً عند مداخل بيروت وفي شوارعها؟ ألا يكفيه انتشار السرقات، وسرقة السيارات والدراجات النارية، وخطر المخدرات على شبابه؟ ألا يكفيه ارتفاع أسعار البنزين والمازوت؟ ألا يكفيه النقص بالدواء والإرتفاع بالأسعار؟
ثم يُطلب منه، فوق كل ذلك، أن يدفع فاتورة كهرباء الدولة، وفاتورة المولدات الخاصة، وثمن صهاريج المياه التي تصلها المياه قبل أن تصل البيوت والمستشفيات، ورسوماً وضرائب ترتفع عاماً بعد عام، بينما تتراجع الخدمات عاماً بعد عام.
ألا يكفيه أيضاً ما آلت إليه العاصمة من تراجع في الخدمات العامة؟ أين الحدائق التي كانت متنفساً للعائلات؟ أين المساحات الخضراء التي كانت تمنح بيروت لونها وحياتها؟ أين الأشجار التي كانت تعبق برائحة الفل والياسمين قبل أن تطغى عليها روائح النفايات؟
أين بلدية بيروت من هذا الواقع؟ أين صيانة الشوارع والأرصفة؟ لماذا تنتشر أكوام النفايات، وكابينات الهواتف المحطمة، والبسطات العشوائية، والدراجات النارية التي تسير على الأرصفة، فيُحرم المشاة من أبسط حقوقهم؟
إن العاصمة لا تفقد جمالها فقط، بل تفقد هيبة الدولة معها.
ثم نصل إلى السؤال الذي ينتظر البيارتة جواباً عليه:
أين وزارة الطاقة والمياه من كل ما يجري؟ وأين خطتها لإنقاذ العاصمة؟ وإذا كانت تعتمد معايير عادلة في توزيع الكهرباء والمياه، فلماذا لا تنشر هذه المعايير بصورة واضحة؟ ولماذا لا تُعلن جداول التغذية الكهربائية وخطط توزيع المياه ليعرف البيارتة وكل اللبنانيون كيف تُدار هذه المرافق العامة؟
إن الشفافية ليست منّة من أحد، بل حق للمواطن وواجب على كل إدارة عامة. ومن حق البيارتة كما من حق كل اللبنانيون أن يعرفوا كيف تُدار مرافقهم العامة، وأن يسألوا أين تبدأ المسؤولية الإدارية والسياسية عندما تستمر هذه الأزمات، وهل أُجريت مراجعات جدية للأداء، وهل اتُّخذت إجراءات لمحاسبة أي تقصير يثبته القانون.
أين نواب بيروت الذين انتخبهم أهلها ليكونوا صوتهم تحت قبة البرلمان؟ إن مسؤولية تمثيل الناس لا تقتصر على التصريحات، بل تبدأ بالرقابة والمساءلة والعمل الجاد لحماية حقوق المواطنين.
وأين أهل بيروت؟ أما آن لهم أن يرفعوا صوتهم، بكل الوسائل السلمية والدستورية، دفاعاً عن مدينتهم؟ فالمطالبة بالكهرباء والمياه، وبالبيئة النظيفة، وبالإدارة الكفوءة، ليست مطلباً مناطقياً ولا سياسياًً ضيقاً، بل حق لكل مواطن، وقضية وطنية تعني كل من يؤمن بأن العاصمة هي واجهة لبنان.
بيروت لا تطلب امتيازات، ولا تنافس أحداً على حقوقه، بل تطالب بالمساواة والعدالة. تطالب بأن تُعامل كعاصمة للجمهورية، وأن تحصل على الخدمات الأساسية التي يكفلها الدستور لجميع اللبنانيين.
إن إنارة بيروت ليست خدمة تُمنح، بل واجب على الدولة. وتأمين المياه لأهلها ليس فضلاً من أحد، بل حق أصيل لكل مواطن.
لقد آن الأوان لأن تتعامل الدولة مع عاصمتها باعتبارها واجهة لبنان، لا ملفاً مؤجلاً. فكرامة بيروت من كرامة الدولة، وصورة العاصمة هي صورة الوطن.
إن بيروت لا تستجدي حقها، ولا تطلب أكثر مما يكفله الدستور لجميع اللبنانيين. إنها تطالب الدولة بأن تكون دولة، وأن تمارس مسؤولياتها بعدالة وشفافية، وأن تضع حدّاً لمعاناة مدينة أعطت لبنان الكثير، ولا تزال تنتظر منه أبسط حقوقها: ماءً تروي، وكهرباءً لا تنقطع، ودولةً تحترم مواطنيها.






