في ظلّ وقف إطلاق النار، لا تزال حالة من القلق والترقّب تسيطر على مختلف المناطق اللبنانية، ولا سيما في الجنوب والمناطق التي استقبلت نازحين، حيث تختلط مؤشرات الهدوء الحذر بمخاوف جدية من تجدّد التصعيد، في وقت لم تكتمل فيه بعد مسارات الحلّ السياسي أو الأمني.
حركة نزوح
وسُجّلت حركة نزوح من عدد من بلدات جنوب لبنان باتجاه مدينة صيدا والعاصمة بيروت، عقب تصريحات نائب رئيس المجلس السياسي في حزب االله محمود قماطي، التي حملت لهجة تصعيدية حيال المرحلة المقبلة.
أرقام النزوح
أعلنت وحدة إدارة مخاطر الكوارث في السرايا الحكومية في تقريرها اليومي أن العدد الإجمالي للنازحين في مراكز الإيواء بلغ 111577، في حين وصل العدد الإجمالي للعائلات النازحة إلى 30125.
بكركي تُطلق صرخةَ الجنوب
وفي إطار "يوم المحبّة والتضامن” في الصرح البطريركي في بكركي، عُقد لقاءٌ موسّعٌ جمع الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، والسفيرَ البابوي، ووزيرَ الإعلام، ونوّابًا وفاعليّاتٍ بلديّةً وكنسيّة، إلى جانب رؤساء بلديّات ومخاتير وكهنة وأبناء القرى الجنوبيّة المتضرّرة. وقد تحوّل الاجتماع إلى منصّةٍ جامعة لعرض الواقع الميداني بتفاصيله الدقيقة، حيث ارتفعت صرخات القرى المحاصَرة والمهمَّشة، مطالبةً بإجراءاتٍ عاجلة تُنهي العزلة وتحمي الوجود.
وتركّزت المداخلات على جملة مطالب أساسيّة برزت كأولويّات ملحّة، أبرزها:
فتح ممرّات إنسانيّة آمنة بين القرى، ولا سيّما بين دبل ورميش، لتأمين انتقال المرضى والمساعدات.
إنشاء مستشفيات ميدانيّة وتجهيز نقاط إسعاف، في ظلّ تدمير البنى الصحيّة ونقص الأدوية، خصوصًا المزمنة.
تفعيل دور الجيش اللبناني لضبط الأمن وحماية الأهالي من التعدّيات، لا سيّما بعد تسجيل خروقات في فترة الهدنة.
تعزيز انتشار القوات الدوليّة في النقاط الحسّاسة لحماية المدنيّين، ومنع الاحتكاكات.
تأمين دعم مالي مباشر للأهالي، إذ إنّ الحاجة لم تعد غذائيّة فقط، بل باتت مسألة بقاء واستمرار.
الحفاظ على ما تبقّى من القرى ومنع أعمال الجرف والتخريب، كشرطٍ أساسي لعودة السكان.
إيصال الصوت إلى المرجعيّات الدوليّة، وفي طليعتها الكرسي الرسولي، لحشد الدعم الدبلوماسي.
وقد عكست هذه المطالب واقعًا إنسانيًا ضاغطًا: حصارٌ في بعض البلدات، تدميرٌ للمنازل والبنى التحتيّة، نقصٌ في الخدمات الأساسيّة، وتشتّتٌ للعائلات، مقابل إصرارٍ واضح على البقاء في الأرض وعدم التخلّي عنها.
والسفير البابوي أكّد، في كلمةٍ مقتضبة، أنّ ما عُرض في اللقاء يحظى بمتابعةٍ دائمة من قبله ومن الكرسي الرسولي، مشدّدًا على أنّ الجهود مستمرّة رغم صعوبة الظروف. وأشار إلى تضامن اللبنانيين في الداخل والانتشار، داعيًا إلى توحيد المبادرات لتصل المساعدات بفعاليّة، ومؤكّدًا أنّ قداسة البابا يولي الجنوب اهتمامًا خاصًا، ويواكب أوضاعه روحيًا وإنسانيًا.وفي كلمةٍ مطوّلة، شدّد البطريرك الراعي على أنّ ما سمعه في اللقاء هو صرخةُ حقٍّ لا يمكن تجاهلها، مؤكدًا أنّ قضية الجنوب هي قضية الكنيسة والوطن بأسره، وليست شأنًا محليًا أو ظرفيًا.
متن وكسروان
ومن المتن الشمالي وكسروان، أفادت مندوبة «اللواء» الزميلة نالسي جبرايل يونس أنّه، رغم أنّ الأهالي لم يكن لهم أي قرار بمغادرة منازلهم، إلا أنّ قرار وقف إطلاق النار لم يشجّعهم على العودة. فالتريث ما زال سيّد الموقف في جبيل وجونية والمتن، باعتبار أنّ تداعيات الحرب ما زالت تلوح بغيوم جولات من العنف قد يشهدها المستقبل غير البعيد.
وقد دفع وقف إطلاق النار بأكثرية المهجّرين من الطائفتين الشيعية والمسيحية إلى حزم أمتعة العودة لتفقّد منازلهم أو بقاياها وآثار الحارات المدمّرة، إلا أنهم واجهوا صعوبة في الدخول إلى قراهم بسبب الوضع الأمني الهشّ وتواجد الجيش الإسرائيلي في بعض القرى، إضافة إلى القصف المستمر.
الواضح أنّ مسارات السلام لم تكتمل بعد، رغم أنّ وقف إطلاق النار قد يشكّل أمرًا إيجابيًا، إلا أنّ هناك تفاؤلًا عامًا يرافقه حذر كبير. ويرى الأهالي أنّ أي اتفاق يضع حدًا لسفك الدماء ويحفظ أرواح المدنيين والأبرياء يُعدّ انتصارًا.
ويأمل هؤلاء أن يتبع وقف إطلاق النار حوار يعالج القضايا الأكثر جوهرية التي أدّت إلى اندلاع الحرب، بما يجعله سلامًا دائمًا ومستدامًا.
بهية الحريري
ومن صيدا، أفادت مراسلة «اللواء» الزميلة ثريا حسن أنّه، في إطار متابعة الأوضاع الإنسانية والمعيشية للبلدات الجنوبية الحدودية، استقبلت نائب رئيس تيار المستقبل ورئيسة مؤسسة الحريري السيدة بهية الحريري في دارتها في الهلالية وفدًا من رؤساء بلديات قرى صور الحدودية، حيث جرى عرض شامل لواقع هذه البلدات التي ما تزال تعاني من تداعيات الحرب والتهجير.
وضمّ الوفد رؤساء بلديات: البستان عدنان الأحمد، الضهيرة الشيخ ناجي سويد، يارين عدنان أبو دلة، مروحين محمد غنام، والزلوطية أحمد أبو دلة، حيث جرى البحث في الأوضاع الصعبة التي تعيشها بلداتهم، والتي ما تزال متضررة ومحتلة منذ حرب العام 2024، إضافة إلى معاناة الأهالي الذين تعرّضوا لعمليتي تهجير متتاليتين: الأولى من قراهم، والثانية من أماكن نزوحهم خلال الحرب الأخيرة.
وفي مداخلة باسم الوفد، قال رئيس بلدية البستان عدنان الأحمد إن الزيارة كانت مناسبة لتوجيه الشكر للسيدة الحريري ولصيدا على احتضان النازحين، إضافة إلى عرض الواقع القائم في القرى الحدودية التي لا تزال تعاني من الدمار والاحتلال وعدم قدرة الأهالي على العودة.
عودة تدريجية
كما أفادت الزميلة ثريا حسن أن مدينة صيدا شهدت حركة عودة تدريجية للنازحين مع استمرار وقف إطلاق النار، في وقت لا تزال فيه حالة الترقّب والحذر تسيطر على عدد من الأهالي، ولا سيما القاطنين في المناطق الحدودية وجنوب الليطاني، ما ينعكس تنقّلًا مستمرًا بين العودة إلى القرى والبقاء في مراكز الإيواء.
وقد سُجّل خلال الأيام الماضية مغادرة أعداد ملحوظة من النازحين لمراكز الإيواء، حيث عاد قسم منهم إلى بلداتهم مع بدء سريان الهدنة، فيما فضّل آخرون التريث بانتظار استقرار الأوضاع. في المقابل، عاد جزء من الذين غادروا هذه المراكز مجددًا إليها، في ظل مخاوف من عدم ثبات وقف إطلاق النار، ومنهم عائلات عادت بعد أن تبيّن أن منازلها دُمّرت بالكامل.
وفي سياق موازٍ، لم تتوقف المطابخ في حارة صيدا عن العمل، حيث واصلت تأمين وجبات للنازحين والعائلات المحتاجة، في إطار الجهود الاجتماعية المستمرة لدعمهم خلال هذه المرحلة.
وتُظهر المعطيات تراجعًا ملحوظًا في نسبة الإشغال داخل مراكز الإيواء، مع بقاء عدد من العائلات التي اختارت البقاء مؤقتًا، فيما لا يزال عدد من الأهالي متواجدين داخل بعض المدارس التي استُخدمت كمراكز إيواء، ما استدعى تمديد التعليم عن بُعد لأسبوع إضافي ريثما تُستكمل عملية الإخلاء التدريجي، بما يضمن استكمال العام الدراسي دون انقطاع.
وعلى الصعيد التربوي، تم تمديد العمل بنظام التعليم عن بُعد لأسبوع إضافي، نظرًا لاستمرار استخدام بعض المدارس كمراكز إيواء، فيما لم تتوقف المبادرات التربوية والإغاثية المساندة للعملية التعليمية، في محاولة للتخفيف من تداعيات الأزمة على الطلاب.
وفي هذا الإطار، تقرر الإبقاء على جهوزية مراكز الإيواء وعدم تفكيك تجهيزاتها خلال فترة الهدنة، مع متابعة يومية للاحتياجات الإنسانية والخدمات الأساسية للعائلات المتبقية.