يشكّل الاقتصاد اللبناني اليوم مساحة بين مسارين متناقضين: مسار الدولة ومؤسساتها، ومسار واقع أمني وسياسي معقّد. وفي قلب هذا التناقض يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن بناء اقتصاد مستقرّ في ظل غياب مرجعية واحدة للقرار، وفي خضم تحوّلات إقليمية تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط تحت عناوين السلام والاستقرار؟
إن السلاح خارج إطار الدولة لا يبقى مسألة أمنية فحسب، بل يتحوّل تدريجيا إلى عامل اقتصادي ضاغط. فالمستثمر، بطبيعته، يبحث عن الوضوح والاستقرار. وعندما تتعدد مراكز القرار، تتآكل الثقة، وترتفع كلفة المخاطر، وتتراجع القدرة على جذب رؤوس الأموال. عندها يصبح الاقتصاد أسير التردد، مهما توفرت من طاقات بشرية أو فرص كامنة.
في هذا السياق، يبرز النقاش حول الانفتاح الإقليمي، وترميم العلاقات مع دول المحيط و استعادة الثقة الدولية من زاوية اقتصادية بحتة، قد تفتح هذه التحوّلات آفاقا للتكامل في مجالات التجارة والطاقة والتكنولوجيا، وتضاعف فرص الاستثمار. إلّا أن هذا المسار لا يمكن اختزاله بحسابات الربح والخسارة، إذ يرتبط بتاريخ معقّد وحساسيات سيادية عميقة، ما يجعله خيارا وطنيا شاملا يتجاوز الأطر الاقتصادية الضيقة.
وسط هذا المشهد، تتقدم مؤسسة تشجيع الاستثمارات في لبنان - إيدال كأداة مفصلية قادرة، إذا ما توفرت البيئة المناسبة، على استعادة الثقة مع الخارج، ولا سيما مع دول الخليج، وإعادة وصل ما انقطع مع الفضاءين العربي والمتوسطي. كما يمكنها أن توسّع آفاق الاقتصاد اللبناني، وتعزز حضوره في الأسواق العالمية، وتحدّ من الضغوط التنافسية القادمة من اقتصادات أكثر استقرارا.
ولا يقتصر دور «إيدال» على استقطاب الاستثمارات، بل يتعدّاه إلى المساهمة في صياغة رؤية اقتصادية حديثة ترتكز على القطاعات ذات القيمة المضافة: الاقتصاد الرقمي، الابتكار، الصناعات الإبداعية، والزراعة الذكية. كما يشكّل دورها كجسر بين القطاعين العام والخاص عنصرا أساسيا في تبسيط الإجراءات، والحدّ من البيروقراطية، وبناء بيئة أعمال أكثر شفافية وفعالية.
غير أن هذه الأدوار تبقى رهينة السياق العام. فالمؤسسات، مهما بلغت كفاءتها، لا تزدهر في بيئة مضطربة. الاقتصاد يحتاج إلى مظلة استقرار واضحة، وإلى دولة تكون المرجعية الوحيدة في القرار، بما يعيد إنتاج الثقة داخليا وخارجيا.
في الخلاصة، يقف لبنان أمام خيارين لا ثالث لهما: منطق القلم أو منطق السلاح. القلم ليس مجرد رمز، بل هو تعبير عن المعرفة، وبناء الإنسان، والاستثمار في الفكر والعلم. وقد أثبتت التجارب أن الحروب لم تكن يوما طريقا إلى التقدم، بل استنزافا للطاقات خاصة إذا ما كانت تقوم على أرض الوطن لصالح الآخرين.
لبنان لا يستطيع أن ينافس بمنطق القوة والسلاح، لكنه قادر على المنافسة بمنطق مختلف: العلم، الابتكار، والانفتاح. وقد أثبت شبابه، في الداخل والانتشار، قدرتهم على التألق في كبرى المؤسسات العالمية عندما تتوافر لهم بيئة مستقرة وداعمة.
هنا يكمن الاقتصاد المنتظر: اقتصاد يقوده القلم لا السلاح؛ اقتصاد يصنعه السلام لا الصراع؛ اقتصاد يعيد لبنان إلى موقعه الطبيعي، لا كساحة نزاع، بل كمركز إشعاع فكري واقتصادي في محيطه العربي والدولي.
لقد آن الأوان لإطلاق يد الشباب الوطني الحالم بلبنان الرائد لإعادة بناء ما تهدم، و العمل على قيام دولة ترتكز على الفكر والعلم والابداع والتألق، قادرة على استعادة دورها كحاضنة للفرص لا كساحة للأزمات والحروب.
* رئيس مجلس الإدارة - المدير العام
مؤسسة تشجيع الاستثمارات في لبنان – «إيدال»