بيروت - لبنان

اخر الأخبار

27 أيار 2026 12:00ص قراءة في مسار الأزمة والفرص المقبلة: لبنان بين التحوّلات النقدية والتحدّيات الاقتصادية

زياد ناصر الدين زياد ناصر الدين
حجم الخط
نوال أبو حيدر

في ظل مرحلة اقتصادية ومالية دقيقة ومعقّدة يمرّ بها لبنان، تتشابك فيها الأزمات النقدية مع التحديات البنيوية والضغوط المعيشية، يواصل الاقتصاد اللبناني البحث عن توازن هش بين الاستقرار وإعادة التأسيس. فمنذ الانهيار المالي، شهدت البلاد تحوّلات عميقة في آليات إدارة النقد والسياسة المالية، وسط اعتماد متزايد على الاقتصاد النقدي والدولار، وتراجع واضح في دور القطاعات الإنتاجية، مقابل استمرار نموذج قائم على الاستيراد واختلالات في الحسابات الخارجية.
وفي موازاة ذلك، برزت نقاشات واسعة حول فعالية السياسات النقدية المعتمدة، وحدود قدرتها على ضبط الواقع الاقتصادي، في ظل اقتصاد صغير الحجم، شديد الارتباط بالعوامل الخارجية، ومثقل بإرث القطاع المصرفي والأزمة المالية. وبين تثبيت سعر الصرف، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، واستعادة الثقة المفقودة، تتعدد المقاربات حول مسار الخروج من الأزمة وإمكانات التعافي.
في هذا السياق، يقدم الخبير الاقتصادي زياد ناصر الدين قراءة تحليلية شاملة للواقع النقدي والاقتصادي في لبنان، متناولا أبرز التحوّلات التي شهدتها المرحلة الأخيرة، والتحديات المرتبطة بالسياسات المالية والنقدية، إضافة إلى دور الإصلاحات وإعادة الإعمار في إعادة تحريك الدورة الاقتصادية ورسم ملامح المرحلة المقبلة.

التحوّل النقدي اللبناني

تحت هذه العناوين العريضة، يقول الخبير الاقتصادي زياد ناصر الدين، لصحيفة «اللواء» «إننا في لبنان أمام إدارة نقدية ومالية جديدة للواقع القائم، ارتبطت بشكل أساسي بمرحلة ما بعد الانهيار، وبالابتعاد عن عالم المضاربات الذي كانت تخوضه الإدارة السابقة في مصرف لبنان. وقد شهد هذا النهج تحوّلا واضحا مع وصول الحاكم بالإنابة الدكتور وسيم منصوري، حيث اتّخذ في حينه قرار بوقف طبع الليرة اللبنانية. وبطبيعة الحال، أدّى وقف الطباعة إلى تثبيت حجم الكتلة النقدية المتداولة في السوق اللبنانية، والتي لا تزال حتى اليوم تقدّر بنحو 63 ألف مليار ليرة، يقابلها حجم من الكتلة النقدية بالدولار. ومع الوقت، أصبح التعامل بالدولار أكثر اتساعا، باعتبار أن الواقع الاقتصادي اللبناني تحوّل إلى اقتصاد نقدي يرتبط بالدولار كعملة أساسية في البلاد، أكثر من ارتباطه بالعملة المحلية».

تثبيت الصرف والاستقرار النقدي

وفي سياق متصل، يعتبر ناصر الدين أنه «فعليا، يعمل لبنان اليوم ضمن مقاربة تشبه إلى حد كبير نظام مجلس النقد (Currency Board)، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، بالتنسيق مع وزارة المالية اللبنانية، وذلك ارتباطا بالواقع النقدي القائم. وقد أثبت هذا النهج خلال السنوات الأخيرة نجاحه في تحقيق قدر من الاستقرار النقدي، إذ تبيّن أن السوق النقدية اللبنانية تعد صغيرة نسبيا مقارنة بأسواق الدول الأخرى».
ومن هذا المنطلق، يرى إن «تثبيت سعر الصرف يساهم في تعزيز الاستقرار، لا سيما أن مختلف القطاعات الاقتصادية في لبنان ترتبط بصورة أساسية بموضوع استقرار سعر الصرف وثباته. والجدير بالذكر أنه في ظل اقتصاد نقدي قائم إلى حد كبير على التعامل بالكاش والدولار، يصبح من الصعب تحديد ناتج محلي دقيق يعكس الحجم الحقيقي للاقتصاد».

الاقتصاد بين الاستيراد والتقشّف

من جهة أخرى، يشرح ناصر الدين أنه «لا تزال السياسات الحكومية في لبنان تعتمد إلى حد كبير على الاقتصاد الريعي والاستيراد، فيما يبقى تعزيز سياسة الإنتاج المحلي ضعيفا جدا. ومن الواضح أن ارتباطات الاقتصاد اللبناني الخارجية، ولا سيما السياسية منها، لا تزال أقوى بكثير من قراراته الداخلية، والدليل على ذلك الواقع الذي يعيشه لبنان اليوم، إذ بعد ست سنوات على بدء الأزمة، لم يتمكن حتى الآن من الوصول إلى حلول فعلية أو إلى آلية واضحة لمعالجتها».
أما في ما يتعلق بالتدفقات الخارجية، فيقول: «لا تزال محصورة ضمن أرقام محددة، في وقت يواصل فيه لبنان الاستيراد بكميات كبيرة مقابل صادرات محدودة، ما يطرح علامات استفهام حول كيفية تغطية هذا الفارق في الحساب الجاري. صحيح أن هذا الخلل يقفل محاسبيا ضمن ميزان المدفوعات، إلّا أن السؤال الأساسي يبقى: كيف يتم ذلك فعليا؟».
ويتابع: «في ظل اقتصاد نقدي قائم إلى حد كبير على التداول النقدي المباشر، تصبح القدرة على ضبط هذه التدفقات والسيطرة عليها أكثر صعوبة. من هنا، ينصبّ العمل حاليا على تحسين إيرادات الدولة، باعتبار أن تعزيز هذه الإيرادات ينعكس بشكل مباشر على الواقع النقدي والمالي. وهذا تحديدا ما تعمل عليه وزارة المالية اللبنانية خلال المرحلة الأخيرة. إلّا أن ظروف الحرب تركت تأثيراً واضحاً على المالية العامة، وفي المقابل لا بد من الإشارة إلى أن موازنات التقشّف، على الرغم من ضرورتها في بعض الأحيان، لا تساعد على توسيع الاقتصاد أو خلق فرص جديدة للنمو والاستثمار».

المسؤولية واستعادة الثقة

وعن المسؤول الفعلي عن إعادة تعريف مفهوم الاستقرار النقدي في لبنان، يشدّد ناصر الدين على أن «مصرف لبنان يتحمّل المسؤولية الأساسية في هذا الخصوص. فالمفهوم النقدي في لبنان يحتاج أولا إلى معالجة ما حصل مع المودعين، كما يحتاج إلى إعادة ضبط القطاع المصرفي بطريقة قانونية، لأنه لو التزمت المصارف بتطبيق القوانين سابقا، لما وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم».
ويضيف: «الدولة كان بإمكانها تفادي الاستدانة، إذ كانت هناك حلول متعددة، إلّا أن الجميع كان يدرك حجم الطموحات الرئاسية التي كانت موجودة داخل المصرف المركزي، إلى جانب جشع المصارف المرتبط بسياسات الفوائد المرتفعة. وبالتالي، فإن السياسة النقدية في لبنان تحتاج إلى إعادة بناء بنية تحتية مالية ونقدية جديدة. إلا أن أي مسار إصلاحي لن ينجح قبل استعادة الثقة، وهذه الأخيرة تحتاج إلى الوقت، وإلى إجراءات فعلية، وفي مقدّمها إعادة حقوق الناس والمودعين».

الإعمار والنهوض الاقتصادي

وفيما يتعلق بملف إعادة الإعمار في حال انطلاقه في لبنان، يختم ناصر الدين بالقول إن «إعادة الإعمار من شأنها أن تنقذ القطاع النقدي والاقتصاد اللبناني، وأن تمنحهما دورا أكبر وحيوية إضافية، كما تساهم في حماية الليرة اللبنانية وتؤخر مسار تحرير سعر الصرف الذي بات، بالنسبة إلى لبنان، مسألة وقت. إذ أن إعادة الإعمار تشكل مدخلا أساسيا لتوسيع حجم الاقتصاد، وتطوير المرافئ، وزيادة الإيرادات، ورفع فرص العمل، ما يعني تحقيق نمو اقتصادي فعلي، ويفتح الباب أمام مرحلة ذهبية استثنائية في حال توفرت الظروف السياسية والاقتصادية المناسبة».