دلع الشجر
دلع الشجر، مثل دلع البنات، مغناجة تتمايل إلى مغناجة، والأنسام تراقصها ذات اليمين وذات الشمال، وحين تطلع الشمس، تضيء ترائبها، والجدائل تتكسّر على أكتافها، غصونا طرية مترعة بالندى والعصافير والفراشات، تتراقص جميعا في سمفونية واحدة.
كلما سرحت نظري فيها، أشعر أن شجرة بينها تغامزني أكثر من غيرها. أسراب الشجر، مثل أسراب الظباء على الماء، تتهادى في مكانها. ترمق القادمين والعابرين خلسة، مثل بنات المدارس في الثانوية العامة. تفتش عن العرسان، وترى في التلال، قمصانا نسجتها الغيمات. كانت تسهر طوال الليل، حتى إذا ما إنبلج الصباح، تفتحت الأزرار، تفتح الإزار: تنتشر، على الثدي و الأرداف، وصار سرب من الشجر، أغوى لعينين عاشقتين من لوز، وقضبان الزنابق تمدّ أكفّها ضارعة: هل الصباح يطول بالنهارات والشموس والينابيع المكركرة؟ هل النهر البعيد، يشهق لها؟
يا لها الأشجار حين تلهو بنا! تمضي السويعات سريعة، مثل رفوف الحجل. تقهقه الأجنحة، مثل جدار كرّت حجارته ونحن نعدّها. كنا نلامس حجرا عشقناه، غارت علينا، كانت الغيرة تملأ قلبها. كيف تغار الحجارة منا ونحن نلامس ونصافح ونقبل، وأما الملأ، فهو يشهد، أننا نغوى دلع الشجر، فما بال الحجارة لا تغار، ما بال الحجال، ما بال تلك الحقول من الزنبق!
شجرة دلوعة من الأرز، عرفتني من بعيد، رمت عن الكتفين شالاتها، لوّحت لي، تقمّصتها وصرت كلما نظرت إليها راقصتها، على بُعد المسافة والأسيجة.
كان الهمس بيننا، أحلى من اللمس، وكانت النظرات تعذب القلب المولع بالجبل المشجر المشرئب، غابة إثر غابة، كتفا إثر كتف، وهضبات تترنح، وصخور ترنحت، منذ رأتني عاشق دلع الشجر.
بعيدا.. بعيدا.. في البال أسراب كنت أعشقها، على جنبات الطرق، على الحفافي، في البساتين، في الكروم، وفي الوديان، والقنن التي تطال السحب، رأتني مرة في ريبة، انحنينت أقبّل جذع شجرة، وحين نهضت على شوق، رفستني بكعبها.
عاشق الأشجار كلها، أنا.. يعذّبني دلع الشجر، يترك في روحي صمغه، يعلق في حلقي مضغة من شهوة وعسل. شجر تعالى، شجيرات تعالت، وروح ترفرف من فوق، كأنها الأفق. كنت أعتلي غيمة، كلما عذّبني الشوق لدلع الشجر في قريتي، محلّقة هي فوق الجبال والهضاب والحقول والسهول والكروم والبساتين والينابيع والأنهار، والجسور التي انقطعت بي. كيف أقارب عودتي لها؟ غيمة محلّقة، وروح يغويها دلع الشجر، محلّقة أبدأ، معلقة على ترائب الشجر، كستني الخفاف، كستني الخفة. كنت أحلق، بين الأزرق والأزرق، زرقة من ماء، وزرقة من سماء. وأما المساء فكان ثوبي، إلى دلع الشجر في القرى، حين تبيت وحدها، بلا أنيس، بلا مؤنس، بلا حارس.
للشجر وحشة الغربة، حين، ييبس الدلع على جذعها، في غيابي. كيف أمنح روحي غصنا يراقصني، يدلعني، أهواه ويهواني، وهو على بعد سماء أبعدتني.
دلع الشجر، نسمة عابرة تخلّدني، شهوة ضوع وريقات مخبأة في عبّها، شهوة ضوء. فهل أذا غابت عن نظري، لا تزال تذكرني؟!
معجز نظري، لا يغيب دلع الشجر عن نظري.
أستاذ في الجامعة اللبنانية






