بيروت - لبنان

اخر الأخبار

30 تموز 2025 12:00ص قلوبنا مع الأم الحزينة... فيروز

حجم الخط
لم يعرف لبنان حزناً بهذا العمق منذ زمن، إذ ودّع واحداً من أنبل أبنائه وأكثرهم تأثيراً، الفنان الكبير زياد الرحباني، الذي غادر الحياة عن عمر 69 عاماً، تاركاً ورائه إرثاً فنياً نادراً في صدقه وتمرّده، ومسيرة حفرت موسيقاها في وجدان الناس وذاكرة الوطن.
لكن الحزن الأكبر لم يكن عامًّا فقط، بل شخصياً، وظهر جليّاً في عيون أمّه، السيدة فيروز، أيقونة لبنان، التي تعيش اليوم فصلاً موجعاً من أغنيتها القديمة: «أنا الأم الحزينة».
هي التي غنّت للحياة والوطن والحب، ظهرت في لحظة وداع ابنها بوشاح أسود ونظارات قاتمة تخفي بحر دموعها، متكئة على ابنتها ريما، تدخل الكنيسة بصمت مهيب، لا لتغني، بل لتبكي. جلست أمام نعشه تهمس له من أعماق قلب أمّ مكسور، فيما العالم من حولها يقف عاجزاً عن المواساة، إلّا بنظرة دامعة أو صلاة صامتة.
في صباح الرحيل، خَفتَ صوت فيروز، وارتفع صوت زياد. عاد إلينا من خلال جمهوره الذي مشى خلف نعشه من بيروت إلى أنطلياس ثم بكفيا، تحمله الورود، وترافقه كلماته، وألحانه، ودموع الناس. لقد كانت لحظة وداع مؤثرة، وداع فنان لم يعش بين الناس فقط، بل عبّر عنهم، وأفصح عن أوجاعهم، وحمل قضاياهم إلى المسرح والموسيقى والتلحين.
فقد ولد زياد في كنف بيت لبناني موسيقي لا يُشبه سواه: والده عاصي الرحباني، ووالدته فيروز. لكنه، ومنذ بداياته، رفض أن يكون مجرد امتداد لعائلته، وفضّل أن يشق طريقه المختلف. كانت موسيقاه انعكاساً لعقله المتمرّد، وهمّه السياسي، ونبض الشارع. مزج الجاز بالشرق، السخرية بالوجع، والموقف بالموسيقى. لم يكن تقليدياً، ولم يكن يسعى للشهرة، بل للصدق.
أعاد تقديم صوت فيروز للأجيال الجديدة بأسلوبه الخاص، فكان ألبوم «كيفك إنت؟» نقطة تحوّل موسيقية، حيث التصق صوتها الخالد بألحانه الجريئة، فصار الاثنان مرة أخرى، كما في البدايات، رمزاً للجمال والابتكار.
لكن مسيرته لم تتوقف عند التلحين. في المسرح، عبّر زياد عن القهر والفساد والانقسام اللبناني بعين فنان ذو سخرية لاذعة وصادقة. كانت خشبة المسرح منبره، وصالة العرض جمهوره الحقيقي. لم يُجامل، ولم يُساوم، ولهذا بقي حقيقياً، قريباً، وإنْ كان عاصفاً.
في مشهد وداعه الأخير، لم يكن الحزن فقط على فنان راحل، بل على زمن يُطوى معه، وعلى روح نادرة كانت مرآةً لوطنه. وتبقى الصورة الأبلغ: أمّ تبكي ابنها، بصمتها العميق، وبحضورها الطاغي، وبقلبها الذي لطالما كان بيتاً للأغنية... وهو اليوم مُثقل بفقدٍ لا يُحتمل.
فيروز، يا أمّنا، يا سيدة الصوت، نحن معك. قلوبنا معكِ، كما مع كل أم فَقدتْ قطعة من روحها. نعزّيكِ كما يُعزّى وطن بأشجاره ووديانه وأغانيه.
نعزّيكِ باسم الجبل الذي يغنّي لكِ، وباسم المدن التي ردّدت صوتكِ، وباسم كل من عرف الحب أو الحزن على نغمة من زياد أو أغنية من فيروز.
قال لكِ زياد يوماً: «لأول مرة ما منكون سوا»، لكنه لم يغِب. لا عنكِ، ولا عنّا.
نمْ بسلام يا زياد...
وكلّ قلوبنا معكِ، أيتها الأم الحزينة، فيروز.