هكذا ينهار الوطن!
كان أبو فادي يجلس كل صباح أمام دكانه الصغير، يفتح دفتر الحسابات ويعيد جمع الأرقام مرات عدة، كأنه يبحث عن خطأ في الحساب. لكنه كان يعرف أن الخطأ ليس في الأرقام، بل في بلد أصبحت فيه كل الأشياء تتحرك باتجاه واحد: إلى الأعلى.
كان يتابع أسعار المحروقات كما يتابع أخبار الطقس. عندما ترتفع الأسعار عالمياً، لا يتأخر صدى الارتفاع في الوصول إلى لبنان، خلال ساعات، تبدأ التبريرات: الدولار، كلفة النقل، الأسواق العالمية، الظروف الدولية. أما عندما تنخفض الأسعار في الخارج، يدخل الصمت مرحلة طويلة، وكأن الانخفاض يحتاج إلى موافقات لا يعرف أحد أين تُوقّع.
لم يكن أبو فادي خبيراً في الاقتصاد، لكنه كان يفهم شيئاً بسيطاً: المواطن يدفع دائماً، بينما الأرباح لا تجد طريقها إلا إلى جيوب من يملكون القدرة على التحكم بالسوق، فقد سبق أن رأى مدخرات عمره تختفي خلف أبواب المصارف.
كان يرى أن بعض من يرفعون راية محاربة الفساد يبدون عاجزين عن مواجهة شبكات المصالح التي تنهش ما تبقى من اقتصاد البلد.
ومع الحرب الإسرائيلية على لبنان، ازدادت أوجاع الناس. عائلات تحملت الخوف والقلق والنزوح أحياناً، وأخرى تكافح فقط للحفاظ على حياة طبيعية وسط ظروف استثنائية. لكن النقاش العام انشغل بمعارك سياسية لا تنتهي، وبسجالات حول السلاح والاتفاقات والمواقف، فيما بقيت الأسئلة الأساسية معلقة: كيف يعيش المواطن؟ كيف تُحمى أمواله؟ ومن يدفع ثمن الانهيار؟
في دفتره القديم، كتب في الصفحة الأخيرة كتب:»الوطن لا ينهار فقط عندما تُسرق أمواله، بل عندما يصبح المواطن معتاداً على أن يُطلب منه الصبر على طبقة سياسية تتجدد بوجوه مختلفة».






