حين لامستني بيروت... غصّة العودة ورجاء الوطن
محمد جارودي
حين وطأت قدماي أرض المطار، واستقبلتني نسمة بيروت الأولى المثقلة برطوبة الصيف وشوق السنين، شعرت بغصّة عميقة تعتصر القلب قبل أن تعبر الحلق.
هناك، في صالة الوصول، وبين الخطوات الأولى على تراب الوطن، وجدت نفسي محاطًا بحشود من اللبنانيين العائدين؛ وجوه أنهكتها الغربة، وأحاطت بها الحقائب، فيما اختلط في ملامحها دفء اللقاء بثقل الواقع. وفي تلك القاعة التي اختزنت عبر العقود آلاف حكايات العودة والوداع، انهمرت الأسئلة من أعماق الروح: كيف يبقى هذا الوطن قادراً على اجتذاب أبنائه، رغم كل ما أصابه؟ وكيف تظل بيروت، وهي المثقلة بجراحها، النبض الذي لا يفارق قلوب من أبعدتهم عنها المسافات؟
إنها غصّة لا يعرفها إلّا من أحب هذا الوطن بصدق، وعاد إليه وهو يحمل في ذاكرته صورة لبنان الذي عرفه يوماً، ثم وجد نفسه أمام واقع يختلف كثيراً عما تركه.
فليس الألم في حجارة تهدّمت أو شوارع تبدّلت، بل في شعور الإنسان بأن وطنه أثقلته الأزمات حتى غدا الوجع جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، وأصبح الانتظار رفيقاً دائماً للبنانيين وهم يتطلّعون إلى غد أكثر استقراراً وكرامة.
غير أن هذه الحرقة ليست مجرد انفعال عابر، بل هي دليل على عمق الانتماء. فالإنسان لا يحزن بهذا القدر إلّا على ما يسكن قلبه. وما يضاعف هذا الألم أن يرى المرء كيف غلبت المصالح الضيقة عند بعض القوى على مصلحة الوطن، حتى بدا الانتماء أحياناً أسير الحسابات والمكاسب، فيما بقي المواطن العادي وحده يدفع ثمن الانقسامات والصراعات.
ومع ذلك، فإن مشهد العائدين إلى لبنان يحمل رسالة مختلفة تماماً. فهذه الجموع التي تتقاطر إلى المطار، رغم كل الصعوبات، تؤكد أن العلاقة بهذا الوطن لم تنقطع، وأن لبنان بالنسبة إلى أبنائه ليس مجرد بقعة على الخريطة، بل ذاكرة وهوية وجذور لا تستطيع الغربة اقتلاعها. لذلك فإن الحزن الذي يملأ القلوب ليس تعبيراً عن اليأس، بل شهادة على أن الأمل ما زال حيّاً، وأن بيروت، رغم انكساراتها، لا تزال تسكن أبنائها أكثر مما يسكنونها.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: وهل يمكن حقاً أن يعود لبنان، وتعود بيروت، إلى ما كانا عليه؟
الإجابة الواقعية تقتضي الاعتراف بأن الزمن لا يعود إلى الوراء، وأن سنوات طويلة من الانهيارات والحروب والأزمات غيّرت كثيراً من ملامح لبنان الذي عرفناه. ولذلك، فإن استعادة الماضي بحذافيره قد تكون أمنية يصعب تحقيقها. لكن هذا لا يعني أن المستقبل محكوم بالبقاء في دائرة الانكسار.
فالتاريخ يعلّمنا أن المدن الحيّة، كبيروت، قد تمرض، وقد تعبر مراحل قاسية، لكنها لا تموت. غير أن تعافيها لا تصنعه الأمنيات وحدها، بل تصنعه إرادة أبنائها، واستعادة الدولة لدورها، وسيادة القانون، وتقديم المصلحة الوطنية على كل ولاء آخر، إلى جانب الإيمان بأن الشعوب التي تتمسّك بوطنها قادرة، مهما طال الزمن، على النهوض من جديد.
ويبقى فوق كل ذلك يقين المؤمن بأن الله سبحانه وتعالى لا يترك عباده، وأنه سبحانه القادر على أن يبدّل الأحوال إذا صدقت النيات، وأُخذت بالأسباب، واجتمع الناس على الخير. فالذي يحيي الأرض بعد موتها، ويحيي العظام وهي رميم، قادر أن يبعث في هذا الوطن حياة جديدة، وأن يجعل من بين الركام بداية مختلفة، تداوي جراح اللبنانيين، وتعيد إلى بيروت شيئاً من بهائها، وإلى القلوب ذلك السلام الذي طال انتظاره.






