صدر القرار عن اجتماع مفاوضات واشنطن الأخيرة حول تمديد وقف اطلاق النار 45 يوما اعتبارا من اليوم، كأنه كسابقاته من قرارات حبر على ورق، بحيث لم يلتزم به جيش الاحتلال الإسرائيلي بحجّة انه «يردّ على خرق حزب الله لاتفاق اطلاق النار»ّ!، بينما هو يحتل أكثر من 50 بلدة وقرية جنوبية، والمقاومة تمارس حق لبنان المشروع بالدفاع عن النفس وتحرير الأرض. ويبدو ان الجانب الأميركي ما زال يعطي جيش الاحتلال الإسرائيلي بطاقة القتل المجانية بدون أي ضغط فعلي، وحتى انه يسمح له باغتيال أي عنصر أو قيادي بحزب الله خارج نطاق الجنوب حتى لو كان في الضاحية الجنوبية أو حتى لو كان في بيروت.
وعلى هذا يبدو ان لبنان استسلم لقدره السياسي ووضع كل أوراقه في السلة الأميركية، من دون أن يحصل على أي نتائج إيجابية توقف آلة القتل الإسرائيلية، وبات لا بد من انتظار اجتماع 29 أيار العسكري لتظهر النتائج الفعلية لما يريده جيش الاحتلال الإسرائيلي ردّاً على مطالب لبنان، والتي طبعا باتت معروفة وتتلخص بالثوابت الوطنية والأمنية والسيادية التي اعلنها لبنان رسمياً على لسان رؤساء الجمهورية والمجلس النيابي والحكومة. وعلى هذه الحال يبدو ان الفترة الفاصلة من اليوم وحتى 29 أيار ستكون ساخنة أيضا نسبة الى نوعية وحجم التصعيد الإسرائيلي الواسع بالغارات وارتكاب المجازر في كل أقضية الجنوب من الغرب الى الشرق، والذي لم يجد من يمنعه.
ونتيجة التجارب السابقة مع اتفاقات وقف اطلاق النار التي لم يلتزم بها الاحتلال بتغطية أميركية، باتت أدوات الضغط اللبنانية على الجانب الأميركي غير فع]الة، ما يستلزم اجراءات أخرى لا بد أن يطرحها الوفد العسكري الذي سيجتمع مع الوفدين العسكريين الأميركي والإسرائيلي. فعن أي اتفاق يتحدثون. ومن سيرُدّ على ادّعاءات العدو بأنه يردّ على خرق الاتفاق ، وكيف سيكون الرد هل بالعودة الى استجداء الأميركي للضغط على الاحتلال من دون الوصول الى أي نتيجة أم بتأكيد حق المقاومة في مواجهة الاحتلال والعدوان؟ وماذا سيحصل في اجتماعات المسار العسكري - الأمني السابق للمسار السياسي؟ فهل نتراخى هنا لنقع في الفخ السياسي هناك وتجربة اتفاق 17 أيار السيء الصيت مرّت بالأمس؟
والغريب انه برغم كل التصعيد الإسرائيلي الد موي والتجاهل الأميركي لقتل النساء والأطفال ومسؤولي وأعضاء الهيئات الصحية والأهلية في قرى الجنوب، فإن ما تضمنه بيان الوفد اللبناني يطرح الكثير من الأسئلة حول جدوى الاستعجال بالحديث عن «إطلاق مسار سياسي رسمي يعكس انخراط لبنان البنّاء، ويعزز فرص التوصل إلى حل سلمي دائم». وفي ما قاله البيان بأن: «يتمثل هدفنا في تحويل الزخم الحالي لوقف إطلاق النار، إلى اتفاق شامل ودائم يحفظ كرامة اللبنانيين وأمنهم ومستقبلهم». فأي سلام، ووفق أي مرجعية، وهل من ضمانات جدّية دولية محايدة ونزيهة في ظل عدم التكافؤ بين لبنان وكيان الاحتلال؟ أم ان الاملاءات الأميركية باتت قدراً سياسياً لا غنى عنه كيفما كانت؟
حتى ان قرار تمديد الهدنة 45 يوماً لم يحدد على أي أساس تم التمديد؟.. هل بنفس الأسس التي تمّت فيها قرارات وقف اطلاق النار والأعمال العدائية منذ العام 2024 وأعطت إسرائيل حق قتل اللبنانيين وتدمير قراهم وتهجيرهم من أراضيهم؟ أم ستكون هناك آليات أخرى سيتم الاتفاق عليها في المسار الأمني الذي ينطلق مع المندوبين العسكريين يوم 29 أيار الحالي؟ ولو توصل العسكريون الى اتفاق أمني ما، فمن يضمن التزام الاحتلال به؟ وهل ستتغيّر آلية عمل لجنة الميكانيزم التي لم تعطِ نتيجة حتى الآن؟ بخاصة ان «الولايات المتحدة ستتولى تسهيل وتعزيز قنوات التواصل والتنسيق العسكري المباشر بين لبنان وإسرائيل» حسب بيان الخارجية الأميركية.. فهل يمكن الركون للوعود والتعهدات الأميركية بعد التجارب المرّة السابقة؟
كلها أسئلة مشروعة يجب أن يجد المفاوض اللبناني أجوبة صريحة وواضحة عليها مع ضمانات تنفيذية دقيقة ومشدّدة لا تحتمل التأويل أو التفسير الأميركي والإسرائيلي المختلق، ولا تُعطي الاحتلال أي حق بضرب لبنان مهما كانت الأسباب، لا سيما إذا التزم حزب الله بالاتفاق وأوقف هجماته على قوات الاحتلال إذا توقفت هي عن عدوانها، وإذا تم تحديد آلية متابعة ومراقبة جديدة وصارمة ولها قدرة تنفيذية لقراراتها، وإلّا يكون كل الجهد اللبناني قد ذهب بلا نتيجة.