بيروت - لبنان

اخر الأخبار

18 أيار 2026 12:00ص المفتي الشهيد حسن خالد... ضمير الوطن وصوت الاعتدال في زمن الانقسام

حجم الخط
في ذاكرة لبنان الوطنية، تبرز قامات لا تُقاس مواقعها بالمناصب، بل بما تركته من أثر في صياغة الوعي العام وحماية الكيان من الانهيار. وفي طليعة هذه القامات يسطع اسم المفتي الشيخ حسن خالد، الذي لم يكن مجرد مرجع ديني، بل كان رجل دولة بالمعنى الأخلاقي والوطني للكلمة، حمل أمانة الإفتاء في أحلك مراحل التاريخ اللبناني، وجعل من موقعه منبراً للدعوة إلى وحدة الكلمة وصون السلم الأهلي.
لقد أدرك المفتي حسن خالد، منذ توليه مسؤولياته الدينية، أن لبنان ليس مجرد توازن طوائف، بل هو عقد وطني دقيق يقوم على العيش المشترك والعدالة المتبادلة. ومن هذا المنطلق، انخرط في الشأن العام انخراطاً مسؤولاً، فكان صوته في المحافل الوطنية صوت الحكمة، يدعو إلى وقف التناحر، ويُحذّر من الانزلاق نحو الفتنة، ويؤكد أن لا قيام للدولة في ظل انهيار الثقة بين مكوناتها.
وفي زمن الحرب الأهلية، حيث تداخلت البنادق مع السياسة، واهتزت مفاهيم الدولة والقانون، بقي الشيخ حسن خالد ثابتاً على موقفه: لا شرعية لأي اقتتال داخلي، ولا مستقبل لأي مشروع لا يقوم على وحدة اللبنانيين. لقد كان حضوره أشبه بميزان دقيق في بيئة مضطربة، يحاول إعادة الأمور إلى نصابها الوطني والدستوري، مستنداً إلى مرجعيته الدينية وإلى حسّه العميق بالمسؤولية التاريخية.
غير أن هذا الدور الجامع، الذي شكّل عامل تهدئة في زمن التصعيد، لم يمرّ دون ثمن. ففي عام 1989، اغتيل المفتي الشيخ حسن خالد في بيروت عبر تفجير استهدفه بشكل مباشر اغتيال المفتي حسن خالد، في حادثة شكّلت صدمة وطنية كبرى، ليس فقط لفقدان شخصية دينية رفيعة، بل لفقدان أحد أبرز الأصوات التي كانت تدافع عن منطق الدولة والوحدة في وجه منطق التفكك والانقسام.
لقد مثّل استشهاده لحظة مفصلية كشفت حجم الخطر الذي كان يتهدد لبنان، ورسّخت في الوعي العام فكرة أن الاعتدال نفسه قد يصبح هدفاً في زمن التطرف السياسي والأمني. ومع ذلك، فإن أثره لم ينتهِ برحيله، بل امتد في الخطاب الديني والوطني، حيث بقيت مواقفه مرجعاً في مقاربة قضايا الوحدة الإسلامية والوطنية، وفي التأكيد على أن لبنان لا يُحفظ إلّا بالتوازن والعدالة والاحترام المتبادل بين مكوناته.
وهكذا، يبقى المفتي الشهيد حسن خالد شاهداً على مرحلة دقيقة من تاريخ لبنان، ورمزاً لمدرسة فكرية تؤمن بأن الكلمة الصادقة قد تكون في بعض الأحيان أثقل أثراً من أي قوة أخرى، وأن حماية الوطن تبدأ من حماية وحدته الداخلية.
ستبقى أفكارك ومواقفك التوجيه الدائم لكل الوطنيين في لبنان..
رحمات الله عليك في جنات الخلد مع الصدّيقين والأبرار والشهداء.

* الأمين العام الأسبق لاتحاد المحامين العرب
المنسق العام لشبكة الأمان للسلم الأهلي