بتأخير ستين سنة، أي منذ بزوغ العمل الفدائي في ستينيات القرن الماضي، ومنذ تشريعه في اتفاقية القاهرة في العام ١٩٦٩، مرورا في الأعوام ١٩٧٨ «اجتياح الجنوب» و١٩٩٣ «عملية تصفية الحساب» و١٩٩٦ «عناقيد الغضب» وتموز ٢٠٠٦ «لو كنت أعلم» و٧ تشرين الأول ٢٠٢٣ «إسناداً لغزة» الى آذار ٢٠٢٦ «إنتقاماً للخامنئي»، ثبت أن جميع احتلالات إسرائيل المتكررة لجنوب لبنان وما رافقها من قتل وتدمير وتهجير كانت بحجة أن أمنها مهدد من حدودها الشمالية.
تقوم المفاوضات المباشرة الحالية بين لبنان وإسرائيل، برعايةٍ أميركية ودعمٍ دولي، على فكرة «تلغون الفعل نلغي ردة الفعل» وذلك تطبيقاً للمثل الشعبي: «أنت بدارك وأنا بداري ويا دار ما دخلك شر».
فإسرائيل لم تطالب طيلة هذه المفاوضات لا بدجلة ولا بالنيل ولا بالفرات، ولا بالعاصي ولا الوزاني ولا الزهراني ولا بالليطاني، وهي تؤكد بلسانها وبلسان ماركو روبيو وجي دي فانس ودونالد ترامب أنها لا تريد شبراً واحداً من لبنان. فهي تطالب علانيةً بالأمن والسلام والاستقرار على حدودها الشمالية مع لبنان كما هي الحال على حدودها الشرقية مع الأردن وعلى غرار ما هو حاصل على حدودها الجنوبية مع مصر.
طبعا من الصعب أن يقتنع جميع اللبنانيين بهذا الكلام ولو كان هو الحقيقة الملموسة، لأن هناك أجيالا وأجيالا من اللبنانيين عامة ومن أبناء الجنوب الأحباء خاصة، تربت على سردية أن إسرائيل تسعى لاحتلال لبنان والشرق الأوسط، وكبرت على أن الواجب الوطني والديني والفقهي يحتم علينا أن نضحي بمستقبلنا وبيوتنا وأموالنا ومهجنا وأرواحنا في مواجهة هذا العدو الغاشم الذي سينقض علينا في ليلةٍ ليلاء ليبتلعنا كما التمساح يبتلع فريسته.
ربما إسرائيل، في أحلامها وفي توراتها، تريد السيطرة على الشرق الأوسط والشرق الأقصى وأفريقيا وأوروبا وأميركا، فهل سنبقى نقاتل النوايا والأساطير؟
الى جمهور «الثنائي الشيعي» من الجنوب الى البقاع والضاحية:
لبنان، لبنانكم ولبناننا، ينتظركم بفارغ الصبر. والدولة، دولتكم ودولتنا، هي الأم الحاضنة لنا جميعاً، فلا تتأخروا في العودة إليها والالتحاق بها، البارحة قبل اليوم قبل الغد.
فالدولة وحدها هي القادرة على إخراج الاحتلال من لبنان وعلى إعادتكم الى بلداتكم وقراكم وعلى استرجاع الأسرى وعلى طرق أبواب العالم لإعادة إعمار الجنوب الأبي، وكل ما عدا ذلك أضغاث أحلام.
فلا توجد دولة في العالم ثوروية كانت أم إسلامية أم عقائدية تهتم لأمر أبناء شعبنا، من أي طائفة كان، إلا دولتنا اللبنانية.
ولا يوجد أي سلاح غير شرعي، تحت أي مسمى أو شرع أو عقيدة كان، قادر على حمايتكم وحماية جنوبنا ووطننا إلا سلاح جيشنا اللبناني.
فكروا وتأملوا بما حل بنا وبكم، فتتأكدوا.
وإذا عادت إسرائيل يوماً ما، لا سمح الله، لاحتلال الجنوب دون أن نكون قد رشقناها بحجر، فسوف ترون أبناء عكار وبشري وطرابلس وبيروت وبعقلين وزغرتا وزحلة وكسروان في طليعة المدافعين عن كل شبر من هذا الوطن وعن كل حبة تراب الجنوب.