الدولة العميقة في لبنان.. إمبراطورية المصالح التي خرجت من الظل (1)
لم يعد الخطر على لبنان محصوراً في سلاح حزب الله، على خطورته وما يمثله من انتقاص واضح لسيادة الدولة واحتكارها قرار الحرب والسلم. فإلى جانب السلاح الظاهر، نشأت خلال عقود طويلة منظومة أخرى أقل صخباً وأكثر تغلغلاً، استولت تدريجياً على مؤسسات الدولة ومواردها وقراراتها، وحوّلت الجمهورية من دولة تحكمها القوانين إلى مساحة تتقاسمها شبكات النفوذ.
هذه المنظومة هي ما يمكن وصفه بـ«الدولة العميقة اللبنانية».
لكن الدولة العميقة في لبنان ليست تنظيماً واحداً له قيادة مركزية، وليست حزباً سرياً يجتمع أعضاؤه خلف أبواب مغلقة. إنها تحالف متغيّر بين قوى سياسية وطائفية ومالية وأمنية وإدارية وإعلامية، تختلف في العلن وتتقاتل على الحصص، ثم تتوحد عندما يقترب القضاء من ملفاتها، أو عندما يهدد الإصلاح مصالحها، أو عندما يطالب اللبنانيون باستعادة أموالهم ومؤسساتهم وحقهم في المحاسبة*.
كيف نشأت؟
بدأت بذور هذه الدولة قبل الحرب الأهلية، يوم تحولت الزعامة السياسية في مناطق كثيرة إلى وسيط إلزامي بين المواطن والدولة. لم يعد المواطن يحصل على الوظيفة أو الخدمة أو حقه الطبيعي بصفته مواطناً، بل من خلال النائب أو الزعيم أو المرجعية الطائفية.
وبذلك نشأت معادلة خطيرة: الدولة تمنح الزعيم حصته، والزعيم يوزع جزءاً منها على أتباعه، ثم يطلب منهم الولاء السياسي والانتخابي.
لكن التحول الأكبر حدث بعد اتفاق الطائف وانتهاء الحرب الأهلية. فقد دخل أمراء الحرب إلى المؤسسات، وبدل أن تخضع قوى الحرب لمنطق الدولة، جرى تطويع الدولة لخدمة توازنات قوى الحرب. أعيد توزيع الإدارات والمجالس والصناديق والتعيينات وفق محاصصة سياسية وطائفية، فأصبح لكل زعيم تقريباً مجال نفوذ داخل الإدارة العامة.
لقد استند نظام الحكم اللبناني بعد الحرب إلى مزيج من المؤسسات الرسمية، والمحاصصة، والزبائنية، والخدمات الحزبية التي حلّت جزئياً مكان الدولة. كما أن الأحزاب الطائفية اللبنانية أصبحت من المزودين الأساسيين للخدمات، وهو ما عمّق اعتماد المواطن على التنظيم السياسي بدل اعتماده على المؤسسات العامة.
لم يكن إضعاف الدولة نتيجة عجز عفوي فقط، بل كان مفيداً لكثير من القوى. فالدولة القوية تطبّق القانون بالتساوي، وتفرض المناقصات الشفافة، وتمنع التوظيف السياسي، وتراقب المال العام. أما الدولة الضعيفة فتسمح للزعيم بأن يظهر أمام الناس منقذاً، مع أنه قد يكون أحد المسؤولين عن حرمانهم من حقوقهم الأساسية.
من المحاصصة إلى الاستيلاء على الدولة
مع مرور السنوات، لم تعد المسألة مجرد تقاسم للوظائف والمناصب، بل تحوّلت إلى ما يُعرف سياسياً بـ«الاستيلاء على الدولة»، أي استخدام المؤسسات والقوانين والقرارات العامة لحماية مصالح مجموعة محدودة من أصحاب النفوذ.
تغلغلت الشبكة في الوزارات والإدارات والمجالس المستقلة والمؤسسات العامة. وأصبحت التعيينات، في مواقع كثيرة، خاضعة لموازين القوى أكثر من خضوعها للكفاءة. وتحولت بعض المجالس والصناديق إلى أدوات لتوزيع المشاريع والإنفاق بعيداً عن الرقابة الفعلية.
وأصبحت قطاعات واسعة في لبنان معرضة لهيمنة النخب السياسية، كما أتاح ضعف المؤسسات العامة النافذة التأثير في توزيع الموارد وفي السياسات العامة. كما أن نموذج الاقتصاد السياسي اللبناني قام على ترتيبات خدمة النخب والتي أدّت إلى إضعاف الدولة ومؤسساتها.
وهكذا أصبح لدينا في لبنان نوعان من المؤسسات:
مؤسسات دستورية ظاهرة، لها قوانين ووزراء ومديرون وقضاة.
ومؤسسات نفوذ غير مكتوبة، تحدد من يُعيّن، ومن يُعاقب، وأي ملف يُفتح، وأي تحقيق يُجمّد، وأي شركة تفوز، وأي مشروع يحصل على التمويل.
القوة الحقيقية لم تعد دائماً في النصوص، بل في القدرة على تعطيل النصوص.






