بيروت - لبنان

اخر الأخبار

27 نيسان 2026 12:05ص العدالة في لبنان: جريمة بلا عقاب... وبطولة بلا معيار

حجم الخط
ياسمين بيضاوي

في وطن الأرز، ومنذ سطّر التاريخ أولى حروفه، تبدو العدالة كمرآةٍ مكسورة تعكس واقعاً مشوّهاً للحق، حيث يغيب معيار واحد يُحتكم إليه، وتتحوّل الأحكام إلى انعكاس اللهوية السياسية لا للفعل بحد ذاته.
ففي لبنان، لا يُقاس الفعل بحدّته أو طبيعته، بل بالجهة التي قامت به. وهكذا، لا تصبح الخيانة واضحة، ولا البطولة محسومة، بل يتداخل كل شيء ضمن مساحة رمادية تُعيد تعريف الحق وفق المصالح.

أولاً: مفهوم الاحتلال

من المفترض أن يكون الإحتلال، بكل أشكاله، مرفوضاً مبدئياً. إلّا أن الواقع اللبناني شهد مقاربات متناقضة لهذا المفهوم، حيث جرى التعامل مع بعض أشكال الوصاية أو السيطرة وفق ميزان سياسي لا قانوني أو وطني واحد.
فاحتلال لبنان من قبل فصائل فلسطينية في مراحل سابقة، والذي حوّل جزءاً من الأرض اللبنانية إلى ساحة صراع، قوبل بتباين في المواقف. كما أن مرحلة الوجود السوري في لبنان مرّت في سياقات سياسية جعلت توصيفها محل انقسام حاد بين من اعتبرها وصاية ومن رآها حماية أو ضرورة.
أما النفوذ الإيراني في لبنان، فقد تعزّز عبر مشروع سياسي – عقائدي معلن، ما فتح نقاشاً واسعاً حول حدود السيادة ودور الدولة.
وفي إجابة متلفزة للسيد حسن نصرالله عن شكل النظام الذي يطمح إليه حزب الله في لبنان أجاب:
«مشروعنا أن يكون لبنان جزء من الجمهورية الإسلامية الكبرى التي يحكمها الإمام الخميني».
وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما الذي يميّز احتلالاً عن آخر؟
ولماذا يُصنَّف رفض بعض أشكال التدخّل الخارجي كخيانة، بينما يُنظر إلى أشكال أخرى كـ«مقاومة» أو «تحرير»؟
لماذا تمّ إعتبار من رفضوا الإحتلال الفلسطيني عملاء، ومن منعوا الجنوب من أن يصبح ساحة معركة للفصائل الفلسطينية في ظل غياب الدولة، خونة؟ ولماذا تمّ إبعادهم عن وطنهم؟
بينما من جاهروا بمشروع «لبنان جزء من إيران» إِعتُبِروا أبطالاً مقاومين؟
فهل هناك «إحتلال بسمنة وإحتلال بزيت»؟
وهل يمكن أن يكون هناك احتلال «صديق» وآخر «عدو»؟
وللتوضيح إنّ كل محاولات التواصل مع دولة إسرائيل بدءاً من المقاومة المسيحية اللبنانية، مروراً بحدّاد ولحد وصولاً إلى يومنا هذا ومفاوضات الرئيس جوزاف عون ما هي إلّا ردّ فعل لحماية لبنان من أن يكون ساحة معركة لا ناقة لنا فيها ولا جمل.

ثانياً: العنف السياسي

في السياق اللبناني، لم يكن العنف السياسي يوماً تفصيلاً عابراً، بل شكّل جزءاً أساسياً من مسار الإنقسام الوطني، حيث تحوّلت الاغتيالات ومحاولات الإغتيال إلى محطات تُقرأ بعيون سياسية مختلفة بدل أن تُدان كجرائم ثابتة.
من إغتيال الرئيس بشير الجميّل عام ١٩٨٢، إلى محاولة إغتيال الجنرال أنطوان لحد عام ١٩٨٨، ثمّ إغتيال الرّئيس الحريري عام ٢٠٠٥ مروراً بحالات إغتيال طالت شخصيات سياسية وإعلامية بارزة من قادة ١٤ آذار بقيت العدالة في معظم هذه الملفات غير مكتملة، أو محكومة بالانقسام السياسي حولها.
كما برزت شخصيات وأحداث في الذاكرة اللبنانية أثارت جدلاً واسعاً بين من يعتبرها أفعالاً سياسية مرتبطة بسياق حرب أهلية معقّد، وبين من يراها جرائم إغتيال سياسية لا يمكن تبريرها، مثل حالة حبيب الشرتوني في إغتيال الرئيس بشير الجميّل، وسهى بشارة في محاولة إغتيال الجنرال أنطوان لحد، وغيرها من الملفات التي بقيت قراءتها منقسمة بين سرديات متناقضة.
والنتيجة أن بعض هذه الأفعال لم تُقفل قضائياً ولا إجتماعياً، بل تحوّلت في الوعي العام إلى روايات متضاربة، تُمنح فيها البطولة أو الإدانة وفق الإنتماء السياسي، لا وفق معيار قانوني موحّد.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يمكن للإختلاف السياسي أن يبرّر العنف؟ أم أن غياب العدالة هو ما يسمح بإعادة إنتاجه؟
في لبنان، لا تموت القضايا بقدر ما تُعلّق.
لا تُقفل الملفات، بل تُرحّل من مرحلة إلى أخرى دون خواتيم واضحة.
وهكذا، لا تغيب العدالة صدفة، بل يصبح غيابها جزءاً من النظام نفسه.
حتى في أكبر الكوارث، كجريمة تفجير مرفأ بيروت، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن لوطنٍ أن ينهض من دون عدالة؟