في اتصال من رئيس الجمهورية جوزاف عون برئيس مجلس النواب نبيه بري، أطلعه خلاله على أجواء المفاوضات في العاصمة الأميركية، سأله عن مدى استعداد حزب الله الالتزام بوقف إطلاق النار، كان الجواب واضحا ككل مرة، وانطلاقا من قناعة وطنية ردَّ بري: أنّ المشكلة هي في إسرائيل، وليس في حزب الله، لأنها هي مَن خرقت وقف إطلاق النار، بل لم تلتزم به أصلاً، وتعمل يوميا من خلال عدوانها على تجسيد مشروعها المبيّت للبنان.
من هنا، ربما ما يمرّ به الجنوب منذ اغتصاب فلسطين، يشكّل أخطر مرحلة في مسار الصراع والأطماع التي تسوقها «إسرائيل» عبر حروبها المستمرة بعذر أو بغيره. وفيما يذهب لبنان الى جولة ثالثة من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، تحت عناوين ثلاث، حسب المصادر الرسمية اللبنانية، وهي: تثبيت وقف اطلاق النار، وقف الاعتداءات، والانسحاب من الأراضي التي احتلتها إسرائيل، يبدو ان ما تفكر به «تل أبيب» يتناقض تماما والرغبة اللبنانية من خلال المشروع القديم الجديد، والذي يتصدّر تسويقه بنيامين نتنياهو وفريقه اليمني المتطرف، ليضع المفاوضات في مكان والواقع الذي تعمل على تنفيذه «إسرائيل» في مكان آخر.
مصادر متابعة، تؤكد أن الكيان الإسرائيلي يتعاطى مع المفاوضات من باب ما يمكن أن تحصّله الحرب، ليفرضه كواقع يسعى إليه من خلال حربه المفتوحة على لبنان، إلى إعادة رسم جغرافية الجنوب بالنار، ضمن خطة عسكرية تتكشف ملامحها تدريجيا، وتهدف إلى تحويل منطقة جنوب نهر الليطاني إلى شريط أمني عازل، خالٍ من السكان ومقومات الحياة. بالتوازي مع إبقاء فرض السيطرة بالنار على القرى شماله عبر الغارات والقصف والإنذارات والإخلاءات المتواصلة والتهديد باحتلاله.
من هنا، يتبيّن أكثر هدف من عدم التزام «إسرائيل» بوقف اطلاق النار الهش. وتعمل حكومة تل أبيب على استغلال ذلك لتحقيق هذا الهدف، الذي يمثل خطة ثابتة بالرغم من دخولها المفاوضات فعليا مع لبنان برعاية أميركية، لتكريس هذه الوقائع الميدانية، وفرضها كأمر واقع قد يتحوّل لاحقا إلى جزء من أي تسوية سياسية أو أمنية مقبلة. وهذا ما تتمسّك به بمناورة سياسية، تظاللها جولات مفاوضات قد تدفع بلبنان الى إعادة خلط أوراق التفاوض، والعودة الى نقطة الصفر، بالتوازي مع ما يتعرض له لبنان الرسمي من انتقادات ورفض لهذا المسار التنازلي، على مستوى القوى اللبنانية الداخلية، وأيضا النصائح العربية كالتي يحملها المبعوث السعودي في زياراته الى لبنان، وربما تكون الزيارة المرتقبة هذا الأسبوع تعكس المخاوف الحقيقية من انزلاق نحو مشهد وتطورات لا يمكن لأحد تحديد تداعياتها على السلم الأهلي.
لذلك، ان ما يؤكد نوايا الكيان الإسرائيلي هو ما يشير إليه أكثر من خبير استراتيجي، في أن «إسرائيل» بدأت فعليا تنفيذ خطين متلازمين الأول: يستند إلى سياسة القضم التدريجي للقرى جنوب نهر الليطاني، عبر تدميرها الممنهج وإفراغها من سكانها وتحويلها إلى ما سمّته بالخط الأصفر، أي حزام حدودي واسع تسعى إلى عزله ميدانيا وإفراغه من أي حضور بشري أو عمراني، وإعدام كل مقومات الحياة فيه، وهذا ما يتجلّى بتفجير البنى التحتية والتجريف لمحو معالم القرى في النسقين الأول والثاني. إذ ان نحو ثماني وعشرين قرية أمامية، وبعمق ما يقرب من خمسة كيلومترات أصبحت بواقع تدميري غير من معالمها بشكل كلي.
والثاني: هو ما بدا واضحا من تطوير استراتيجية الحرب نفسها. فالكيان الإسرائيلي لم يعد يعتمد على الاجتياح البري الواسع كما في الحروب السابقة، بل بات يخوض ما يعرف بالسيطرة والاجتياح الجوي خارج النقاط المحتلة جنوب وشمال النهر، كوسيلة للسيطرة على الأرض من دون احتلاله مباشرة لفرض واقع ميداني، يتجانس مع العقيدة المحدثة لجيش الاحتلال وهي التي نراها بحزمة الانذارات والإخلاءات الجماعية لقرى وبلدات بأكملها.
أمام نتائج الجولة الجديدة من المفاوضات التي استمرت ليومين، تترسّخ قناعة أكثر وضوحا بأن الجانب الإسرائيلي لم يذهب الى المفاوضات للتنازل، أو إعطاء لبنان ما يرغب، وإنما يتمسّك بمسار نقاشات تتركّز على تجريد سلاح حزب الله قبل أي مسار سياسي. وهذا لا يعني ان ترتيبا ميدانيا يرتبط بوقف العدوان أو الانسحاب سيحصل في المرحلة المقبلة، وان الكيان بات على قناعة ان أوراق ضغطه تبدأ من مكاسبه الميدانية، التي يتمسّك بها بغض النظر عن مسار تقدّم المفاوضات في سعي منه لفرض هذا الواقع على لبنان.