بيروت - لبنان

اخر الأخبار

18 نيسان 2026 12:00ص تسويةُ أوضاع عالقة... لا اتفاقية

حجم الخط
د. مهى محمّد مراد

يقفُ لبنانُ اليومَ أمامَ لحظةٍ مفصليةِ تتجاوز كونها استحقاقاً سياسياً عابراً، لتلامسَ جوهرَ السيادة الوطنية وإعادة تعريف القرار الوطنيّ بما ينسجمُ معَ مصلحة الدولة والمجتمع، هذه اللحظة لا يمكنُ اختزالُها بعنوان «اتفاقية» تقليدية بين أطراف واضحة، بقدر ما هي مسار معقّد لتسوية أوضاع عالقة، تراكمت عبرَ سنواتٍ من الأزمات والانقسامات والتدخلات الخارجية.
فلبنانُ، تاريخياً، لم يكن غريباً عن التسويات، من اتفاق الطائف الذي أنهى الحربَ الأهلية وأعاد توزيعَ السلطة، إلى اتفاق الدوحة الذي جاء كحلّ مؤقّت لأزمةٍ سياسيةٍ حادّة، وصولاً إلى تفاهمات غير مكتوبة حكمتْ مراحلَ متعددة من الحياة السياسية... غيرَ أنّ القاسمَ المشترك بين هذه المحطات هو أنها جاءت نتيجةَ ضغوطٍ داخلية وخارجية متقاطعة، وغالباً ما حملت في طياّتها عناصرَ تأجيل للأزمات بدل معالجتها جذرياً.
أمّا اليومَ، فالمشهدُ يتكرّر ولكن في سياقٍ أكثر تعقيداً، حيث أنّ هنالك تقاطعاً واضحاً بين مصالحَ محلية وعربية ودولية، عنوانه احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع. هذا التقاطعُ يتجلّى في مساعي ضبط الوضع في الجنوب، حيث يشهد الواقع الميداني توتراً مستمراً، معَ محاولاتٍ لفرض وقائعَ جديدة على الأرض، سواء من خلال الضغط العسكري أو عبر تثبيت معادلات ردع غير مستقرة. في المقابل، يواصل الأهالي وسكانُ الجنوب التمسّك بأرضهم، في مشهد يعكس تداخل البُعد الوطنيّ معَ البُعد الإنسانيّ والمعيشيّ.
لكن هذا التقاطعَ في المصالح لا يعني بالضرورة توازناً في النتائج، فالتجاربُ السابقة، سواء في لبنانَ أو في المنطقة، تُظهر أن التسويات التي تُبنى على أولويات القوى الخارجيّة قد لا تتطابقُ معَ الحاجات الفعليةّ للدول المعنية، وبالتالي، يمكنُ هنا استحضارُ نماذجَ من المنطقة، حيث أدّت تسوياتٌ سريعةٌ إلى تجميد النزاعات بدل حلّها، ما جعلها قابلةً للاشتعال مجدّداً عند أوّل اختبار.
من هنا، يصبحُ التنبهُ لمخاطر تسوية غير متوازنة أمراً أساسياً، فالتسويةُ التي لا تراعي توازنَ المصالح الداخلية، ولا تستندُ إلى شرعيّة وطنيّة حقيقيّة، قد تتحوّل إلى عبءٍ إضافيّ على الدولة بدلاً من أن تكونَ مدخلاً للاستقرار، بل إنّ الأخطرَ هو أن تُستخدَمَ هذه التسويات كأدواتٍ لإعادة إنتاجِ الأزمات بصيغ جديدة.
إلّا أنّ التحذيرَ لا يقتصرُ على مضمون التسوية، بل يمتدُ إلى طريقة إدارتها، فلبنانُ، في مراحلَ سابقةٍ، اعتمدَ مقارباتٍ قائمةً على «إدارة الأزمة» بدل حلّها، فبعد حرب تموز 2006 مثلاً، تمّ تثبيتُ هدوءٍ نسبيّ في الجنوب، لكنّه بقيَ هشّاً، مرتبطاً بتوازنات إقليمية أكثرَ منه بمعالجة جذريّة لأسباب النزاع. وكذلك الحال في أزمات حكومية متكررة، حيث كانت الحلول تأتي على شكل تسوياتٍ مرحلية تُبقي أسبابَ الخلاف قائمة.
وبالنسبة لموضوع الدخول في مفاوضات تحت الضغط - سواء كان ضغطاً عسكرياً أو اقتصادياً أو سياسياً - يحملُ مخاطرَ كبيرة، فالدولة التي تتفاوضُ وهي في موقع ضعف، قد تجدُ نفسها مُضّطرةً لتقديم تنازلاتٍ لا تعبّرُ عن مصلحة طويلة الأمد، بل عن حاجة آنية لتخفيف الضغط، وهذا ما شهدناه في أكثرَ من محطة، حيث فُرضَت حلولٌ سريعةٌ لتفادي الانهيار، لكنها لم تمنعْ تكرارَ الأزمات لاحقاً.
وهنا يبرز السؤال الجوهريّ: هل الدولة اللبنانية، في وضعها الراهن، قادرةٌ على فرض تسوية عادلة ومتوازنة؟ فالواقع يشيرُ إلى أنّ لبنانَ يعيشُ حالةً مركّبةً من الأزمات: أزمة سياسية تتجلّى في ضعف التوافق الداخليّ، أزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة منذ الأزمة المالية اللبنانية عام 2019، إضافةً إلى تحدّيات أمنيّة واجتماعيّة متزايدة... وفي ظلّ هذا المشهد، تصبح قدرةُ الدولة على التفاوض من موقع قوّة محدودة، ما يطرحُ أولوية ترتيب الوضع الداخليّ كشرطٍ لأيّ مسار ٍتفاوضيّ ناجح.
وبالتالي، إنّ إعادةَ بناء مؤسسات الدولة ليست مسألةً إداريةً فحسب، بل هي مدخل أساسيّ لاستعادة القدرة على اتخاذ القرار السياديّ. فالدولةُ القويّة بمؤسساتها، والقادرة على فرض القانون وتوحيد القرار، هي وحدها القادرة على تحويلِ أيّ تسوية من حلّ مؤقّت إلى مسار استقرار دائم، أمّا في غياب ذلك، فإن أيّ اتفاقا ٍ- مهما بدا متماسكاً - سوف يبقى عرضةً للاهتزاز.
لبنانُ اليومَ لا يحتاجُ إلى التسرّع في إنتاج حلول سريعة، بقدر ما يحتاج إلى رؤية استراتيجية شاملة، وهذه الرؤية يجبُ أن تنطلقَ من فهمٍ عميقٍ لطبيعة التحديّات، وأنْ تُوازنَ ما بين متطلباتِ الاستقرار الفوريّ وضرورات بناء دولة قادرة على الاستمرار، كما يجبُ أن تستندَ إلى توافقٍ وطنيّ حقيقيّ، لا إلى تسوياتٍ تُفرَض تحت عناوين الضرورة أو الواقعية السياسية.
وفي هذا الإطار، لا يمكنُ إغفالُ دور الرأي العام، الذي أصبح أكثرَ وعياً وحساسية تجاه طبيعة التسويات المطروحة، كما أنّ للنظام السياسيّ مسؤوليّة مضاعفة في قراءة التحوّلات وعدم الاكتفاء بإدارة اللحظة.
وأمّا البعثات الأجنبية، التي تلعب دوراً مباشراً أو غير مباشر في صياغة المسارات، فهي بدورها أمام اختبار التوازن بين مصالحها واستقرار لبنان الفعلي.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل من يسمعُ ويقرأ ويتفهّم خطورةَ المرحلة دون الوقوع في فخّ التسرّع؟ فالتجارب السابقة لا تدعو إلى الاطمئنان، لكنّها في الوقت نفسه تقدّم دروساً واضحة، والفارق بين تسوية تُبنى على رؤية، وأخرى تُفرَضُ تحت الضغط، هو الفارق بين استقرار قابلٍ للاستمرار، وأزمةٍ مؤجلة.
ما بين «التسوية» و«الاتفاق»، يكمنُ الفرقُ بين معالجة الجذور وتجميل السطح، ولبنانُ، في لحظته الراهنة، لا يحتملُ المزيدَ من الحلول المؤقتة، بل يحتاج إلى مسار يُعيدُ الاعتبارَ للدولة، ويضع أُسساً فعليّة لاستقرارٍ طويلِ الأمد.