من المرجَّح أن يكون حادث اطلاق النار في الفندق الذي كان يجري فيه احتفال في واشنطن بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع بعض فريقه في الادارة الأميركية، على صلة بالحرب التي تخاض في الشرق الأوسط، بين الولايات المتحدة واسرائيل من جهة وإيران والفريق المسلح الحليف (أو الموالي) لها سواء في غزة ولبنان مروراً بالعراق وصولاً الى اليمن حيث كان صعود القوة الحوثية ظاهرة لافتة في دخول الحرب، وإطلاق الصواريخ البالستية على جنوب اسرائيل في إيلات وأم الرشراس وصولاً الى تل أبيب في مرات نادرة.
ومع أن ترامب نفسه استبعد أن تكون ايران وراء الهجوم الذي نفذه شخص كان بحوزته بندقية صيد، تاركاً للتحقيقات أن تجيب على هذه الفرضية أو سواها، فإن الحادث بحدّ ذاته يطرح أسئلة بالغة الحدة، عن مجريات الحرب الدائرة، وعن الاستهداف لما يمثله نهج عالي التطرف والصلف والغطرسة في الادارة الأميركية المشكَّلة من عناصر تكشف مدى انحدار الليبرالية الأميركية، وتدهور القيمة المعنوية للولايات المتحدة كراعية لحقوق الانسان والحريات في العالم..
للمرة الثانية أو الثالثة، ينجو الرئيس الأميركي الذي أمضى السنة الأولى من ولايته الثانية بأخطر ما يمكن أن يتصوره عقل، بالسعي لوضع ثروات العالم في جيبه، وثروات الطاقة والنفط وتحريك عجلات النمو والتنمية والنهضة، وحتى الحياة العادية لشعوب العالم قاطبة، من أوروبا التي تمارس أعتى عبارات الاحتقار لها الى آسيا إن على مستوى التنين الصيني أو الدبّ الروسي الذي غرق في مستنقع القتل اليومي في أوكرانيا منذ ثلاث سنوات ويزيد الى شعوب الشرق الأوسط، لا سيما العرب المسلمين..
جاءت الحادثة، في وقت لاحق لقرار اتخذه بإلغاء ترتيبات سفر موفديه الى باكستان للاجتماع مع الوفد الإيراني الذي كان يرأسه وزير الخارجية عباس عرقجي، والموفدان هما ويتكوف وصهر الرئيس كوشنير، وكلاهما يحظى بثقته الواسعة..
لم يقفل ترامب الباب، ودعا الإيرانيين الى الاتصال به متى شاؤا للعودة الى البحث بما يسميه «الاتفاق الرائع» الذي يعيد الإزدهار إلى إيران، بعد اخضاع معالم الحياة على المستويات كافة الى أبشع «غزو فضائي» أتى على الأخضر واليابس عبر الطائرات الأميركية والاسرائيلية والمسيَّرات على مدى حولين كبيرين من الحرب.
على أن الأخطر هو ما نُقل عن لسان ترامب أن اطلاق النار كان يستهدفه بشكل مباشر، على الرغم من إعلان المتهم الذي أصبح في عهدة القضاء الأميركي، ليوجِّه إليه تهماً بالغة القطعية لجهة مصيره، سواء لجهة استخدام سلاح ناري أثناء جريمة عنف خطيرة واتهام رسمي بالاعتداء على موظف فيدرالي باستخدام سلاح خطير..
هزت الحادثة الولايات المتحدة، والتي نفذها مدرِّس ومطوِّر ألعاب فيديو من ولاية كاليفورنيا الأميركية، كما هزت العالم، وطرحت أسئلة خطيرة عن تنامي دورة العنف في أميركا، التي وقفت على رأس قيادة الحروب الجديدة على الكوكب بالتعاون والتحالف مع بنيامين نتنياهو، والدولة العبرية التي يرأس حكومتها التي تعيش على دماء الفلسطينيين واللبنانيين ودماء أخرى في الشرق الأوسط منذ الأشهر الأخيرة للعام 2013.
من الصور المثيرة للتساؤل ظهور مستشار ترامب ميلر في موقف بالغ الإحراج، إذ بدأ، يمسك بامرأته الحامل من الخلف، ويحتمي بها كدرع بشري اللهروب من اطلاق النار.. في تلك الأمسية التي وصفها ترامب نفسه بأنها كانت صعبة، وتمكنت الخدمة السرية من السيطرة الكاملة على الموقف..
ليلة الرعب في البيت الأبيض، ستبقى لوقت طويل مدار المعلومات والأحاديث، فضلاً عن الاتصالات مع الرئيس ترامب لتهنئته بالسلامة.. وهو الذي شوهد يفرّ مع زوجته، على نحو مفاجئ بعد سماع دوي اطلاق نار خارج القاعة وسط حالة من الذعر والارتباك الأمني، وهذه ليست المرة الأولى التي ينجو فيها ترامب نفسه من الاغتيال، إحداها خلال الحملة الانتخابية للعودة الى البيت الابيض..
بصرف النظر عن إدانة القتل والاغتيال وكل جرائم العنف، تبقى الأسئلة مشروعة عن شعور الأميركيين وهم يشاهدون على شاشات التلفزة، ومواقع التواصل الاجتماعي صور القتل والدمار وتفجير المنازل على أهلها وساكنيها، الأمر الذي أثار ريبة ترامب نفسه، وطلب على عجل، ولثوانٍ أن يقف عن قصف بيروت والضاحية وتدمير الأبنية وقتل الأبرياء، بالغارات القاتلة من الطائرات الاسرائيلية التي مصدرها الولايات المتحدة..
تذهب التقديرات باتجاهات مختلفة، والمراقبون يتندَّرون بصور هروب أركان الإدارة الترامبية، لاسيما صور دي فانس نائب الرئيس نفسه: هل تترنح حرب خليج هرمز، لتنعكس على جبهة لبنان، أم أن جولة جديدة من الحرب، يتحضّر لها نتنياهو لجرّ الولايات المتحدة مرة أخرى !