16 آذار 2026 12:00ص كمال جنبلاط: إرثه القانوني والإنساني كإطار لمواجهة التحدّيات الراهنة في لبنان

حجم الخط
أستحضر شخصية المعلم كمال جنبلاط، الرجل الأسطورة، المفكر العربي والسياسي الكبير، الذي جمع بين الفكر الاستراتيجي والرؤية الإنسانية العميقة. لقد كان جنبلاط نموذجاً فريداً في التاريخ اللبناني، إذ لم يكن مجرد سياسي أو زعيم طائفي، بل كان مفكراً ملتزماً بالمبادئ الأخلاقية والقانونية، مدافعاً عن الدولة، الحقوق، والعدالة الاجتماعية.
إذا كان المعلم كمال جنبلاط حيّاً اليوم، في ظل الوضع اللبناني الراهن من أزمات سياسية، اقتصادية واجتماعية، فمن المؤكد أن موقفه سيكون حاسماً وعملياً، ليس مجرد كلاماً شعاراتياً. لكان يدعو إلى تعزيز الحوار الوطني، محاربة الفساد، حماية مؤسسات الدولة، وضمان حقوق المواطنين، كما كان دائماً يفعل، مجسّداً مبدأ أن السياسة هي أداة لتحقيق العدالة والحق لا مجرد صراع على السلطة. كما أن تجربته التاريخية في مواجهة الانقسامات الطائفية والأزمات الداخلية تجعل موقفه اليوم إطاراً عملياً لإعادة الأمل إلى لبنان وتحقيق استقرار حقيقي.
في ذكرى استشهاده يبقى إرثه صالحاً للإستناد إليه اليوم لإنقاذ لبنان، لأن قيمه ومبادئه تجاوزت سياق زمانه ومكانه. فالتزامه بالعدالة، النزعة الإنسانية، ومبادئ الديمقراطية والحقوق الأساسية يشكل مرجعاً صلباً يمكن أن يُستمد منه الحلول العملية، ليس فقط على المستوى السياسي، بل أيضاً على المستوى القانوني والقضائي. إن تفسير التفاني والإيثار والنزعة الإنسانية الإيجابية التي كان يتمتع بها، يمكن فهمه على أنه نتيجة إدراكه العميق بأن قوة الدولة والمجتمع تعتمد على حماية الأفراد، تعزيز حقوقهم، والالتزام بالعدالة والمساواة، وأن الإصلاح الحقيقي لا يتم إلا بالعمل المستمر، والشجاعة، والحس الإنساني العميق.
تُعدّ وصية كمال جنبلاط إحدى أبرز الوثائق التي تعبّر عن فكره العميق ومسؤوليته الوطنية، حيث شدّد فيها على أهمية الوحدة الوطنية، واحترام الحقوق، وتقدير قيمة الإنسان قبل الانتماءات السياسية أو الطائفية. فقد جاء في نصوص وصيته الحرص على السلام الأهلي والمصالحة بين جميع مكونات لبنان، مؤكداً على أن الإرث السياسي لا يُقاس بالسلطة أو النفوذ، بل بالقدرة على حماية المواطنين وتأمين العدالة والمساواة. ومن منظور قانوني، يمكن تفسير وصيته على أنها نداء لاستحضار مبادئ الشرعية والمشروعية في إدارة شؤون الدولة، وضمان حقوق الجميع أمام القانون، بعيداً عن التجاذبات السياسية الضيقة. وتُبرز هذه النصوص الإنسانية والالتزام بالمسؤولية العامة التي اتسمت به مسيرة جنبلاط، وتعكس النزعة الإيجابية والتفاني في خدمة المجتمع، ما يجعل وصيته مرجعاً أخلاقياً وقانونياً يُحتذى في مواجهة التحديات الراهنة التي تعصف بلبنان. كما أنها تُمثل خارطة طريق للالتزام بالقيم الوطنية والإنسانية، وتذكيراً بأن الإصلاح والمساءلة القانونية هما السبيل للحفاظ على استقرار البلاد وكرامة مواطنيها.
كما يمكن استنباط من إرثه أن تعزيز النزعة الإنسانية، التزامه بالحق، وتفانيه في خدمة المجتمع ليست مجرد قيم أخلاقية، بل أدوات عملية لإعادة بناء الدولة، وضمان الاستقرار الاجتماعي والسياسي وتعزيز النزاهة القضائية، وفرض احترام القانون على الجميع، بما في ذلك أولئك الذين يسعون للالتفاف على النصوص القانونية أو استغلال الثغرات.
وختاماً، يمكن القول إن استحضار كمال جنبلاط اليوم ليس مجرد تقدير لشخصية تاريخية، بل إطار عملي ومهني لتوجيه السياسات القانونية والسياسية، وإرساء مبدأ العدالة والمساواة. وهو يضع أمامنا مبدأً واضحاً: أن حماية الحقوق، تعزيز العدالة، والموازنة بين حماية الأفراد وضمان الأمن المجتمعي هي الطريق الأنجع لتحقيق الاستقرار، وأن إرثه صالح لأن يكون دليلاً ومرشداً لمواجهة الأزمات المعقدة في لبنان اليوم، سواء على الصعيد السياسي، الاجتماعي أو القانوني.

* الأمين العام السابق لاتحاد المحامين العرب
المنسق العام لشبكة الأمان للسلم الأهلي