بيروت - لبنان

اخر الأخبار

13 حزيران 2026 12:05ص لماذا تصمت أوروبا أمام العدوان الإسرائيلي؟

حجم الخط
د. طلال الساحلي*

 في اللحظات المفصلية من تاريخ النظام الدولي، لا تُختبر الدول فقط بقدرتها على حماية مصالحها، بل أيضاً بمدى قدرتها على الحفاظ على التماسك بين ما تعلنه من مبادئ وما تمارسه فعلياً من سياسات. ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو أوروبا اليوم أمام واحدة من أكثر أزماتها الفكرية والسياسية تعقيداً منذ نهاية الحرب الباردة. فالقارة التي قدمت نفسها طويلاً بوصفها موطن القانون الدولي وحقوق الإنسان، تبدو عاجزة، أو مترددة، أو غير راغبة، في اتخاذ موقف حاسم تجاه الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان، رغم ما تنطوي عليه من انتهاكات واضحة للسيادة اللبنانية، ومن سقوط للمدنيين، ومن تهديد دائم للاستقرار الإقليمي.
ولعلّ ما يمنح هذه المسألة أهميتها الاستثنائية، أن الصمت الأوروبي النسبي لا يبدو مجرد تفصيل دبلوماسي عابر، ولا نتيجة ظرفية لميزان قوى مؤقت، بل يكشف عن أزمة أعمق تتصل بطبيعة الدور الأوروبي نفسه في العالم، وحدود استقلاليته السياسية، وعلاقته المعقدة بالولايات المتحدة وإسرائيل، وكذلك بفهمه الخاص لمفهوم «الحق في القانون الدولي». فمنذ اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية، تبنّى الاتحاد الأوروبي خطاباً صارماً يقوم على رفض تغيير الحدود بالقوة، والدفاع عن سيادة الدول وعن الشرعية الدولية. لكن هذا الخطاب ذاته بدا أقل وضوحاً وأكثر انتقائية عندما تعلق الأمر بإسرائيل، سواء في فلسطين أو لبنان أو سوريا. ومن هنا، لم يعد السؤال المطروح فقط لماذا تصمت أوروبا تجاه إسرائيل؟ بل أصبح السؤال الأعمق: هل ما يزال الاتحاد الأوروبي قادراً على تقديم نفسه بوصفه قوة قانونية وأخلاقية عالمية، أم أنه تحّول، مثل غيره من القوى الكبرى، إلى فاعل تحكمه اعتبارات القوة والتحالفات والمصالح قبل أي شيء آخر؟

أوروبا وفكرة القوة المعيارية

لقد سعت أوروبا، بعد الحرب العالمية الثانية، ثم بصورة أوضح بعد انتهاء الحرب الباردة، إلى بناء هوية سياسية مختلفة عن النماذج الإمبراطورية التقليدية. فلم تكن أوروبا، بخلاف الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين، قوة عسكرية موحدة ذات نزعة توسعية واضحة، بل حاولت أن تقدم نفسها باعتبارها «قوة معيارية»، أي قوة تستند في نفوذها إلى القانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف وحقوق الإنسان والدبلوماسية. وقد ارتبط هذا التصور بصورة أوروبا الجديدة التي نشأت بعد الكوارث الكبرى للحربين العالميتين، حيث بدا أن القارة استخلصت درساً تاريخياً مفاده أن الأمن الحقيقي لا يتحقق عبر الهيمنة العسكرية وحدها، بل عبر بناء منظومة قانونية دولية تحكم العلاقات بين الدول، وتمنع العودة إلى منطق الحروب المفتوحة والإمبراطوريات التوسعية.
من هنا جاء التمسّك الأوروبي الشديد بمبادئ سيادة الدول وعدم جواز احتلال الأراضي بالقوة واحترام الحدود الدولية وحق الشعوب في تقرير مصيرها. غير أن المشكلة الكبرى ظهرت حين لم تُطبق هذه المبادئ بالدرجة نفسها على الجميع، وهنا تحديداً بدأت أزمة المصداقية الأوروبية.

لبنان بين السيادة والهشاشة الجيوسياسية

في الحسابات الأوروبية الكبرى، لا يحتل لبنان موقعاً مركزياً في الأمن الاستراتيجي للقارة. فلبنان بالنسبة إلى أوروبا ليس أوكرانيا. إنه دولة صغيرة منهكة اقتصادياً وسياسياً، تقع في منطقة اعتادت العواصم الأوروبية النظر إليها باعتبارها فضاءً دائماً للأزمات وعدم الاستقرار. وهذا الإدراك للبنان بوصفه هامشاً جيوسياسياً يفسر جزئياً ضعف رد الفعل الأوروبي تجاه الاعتداءات الإسرائيلية. ففي حين جرى النظر إلى الحرب الروسية في أوكرانيا باعتبارها تهديداً مباشراً للبنية الأمنية الأوروبية وللنظام الذي تأسس بعد الحرب الباردة، فإن الاعتداءات على لبنان تُقدَّم غالباً ضمن إطار «التصعيد الإقليمي» أو «الصراع الحدودي»، لا بوصفها خرقاً جذرياً للقانون الدولي يستوجب مواجهة حاسمة. لكن هذا التوصيف يخفي تناقضاً واضحاً، لأن القانون الدولي، نظرياً، لا يميز بين دولة كبيرة وأخرى صغيرة، ولا بين حدود في أوروبا وحدود في الشرق الأوسط. وانتهاك السيادة يبقى انتهاكاً، سواء وقع في كييف أو في الجنوب اللبناني. غير أن الواقع السياسي يكشف أن تطبيق القانون الدولي يظل مرتبطاً بموازين القوة وبالأهمية الجيوسياسية لكل ساحة من ساحات الصراع، الأمر الذي يجعل «الحق» نفسه خاضعاً أحياناً لمنطق المصالح لا لمنطق القواعد المجردة.

إسرائيل بوصفها استثناءً غربياً

لا يمكن فهم حدود الموقف الأوروبي من لبنان من دون فهم الموقع الخاص الذي تحتله إسرائيل داخل البنية السياسية الغربية. فإسرائيل لا تُنظر إليها أوروبياً بوصفها مجرد دولة شرق أوسطية، بل باعتبارها، في جزء كبير من المخيال السياسي الغربي، امتداداً للحضارة الغربية نفسها وحليفاً عضوياً في منطقة مضطربة. وهذا الموقع الاستثنائي يعود إلى عوامل متعددة ومتداخلة، في مقدمتها الإرث التاريخي للمحرقة النازية، حيث تشكّلت في الوعي الأوروبي، وخصوصاً الألماني، حساسية خاصة تجاه كل ما يتعلق بإسرائيل واليهود. وقد تحوّل هذا الشعور، مع الوقت، إلى أحد أسس العلاقة الخاصة مع إسرائيل، بحيث أصبح انتقادها في كثير من الأحيان ملفاً شديد الحساسية سياسياً وأخلاقياً، ويجري أحياناً الخلط بين نقد السياسات الإسرائيلية وبين معاداة السامية. 
إلى جانب ذلك، ثمة البُعد الاستراتيجي الذي يجعل إسرائيل بالنسبة إلى الغرب أكثر من مجرد حليف إقليمي. فهي تُعدّ مركزاً تكنولوجياً واستخباراتياً متقدماً، وقاعدة مهمة للمصالح الغربية في الشرق الأوسط، وشريكاً أساسياً في مواجهة القوى المناهضة للنفوذ الغربي في المنطقة. ومن هنا، فإن أي محاولة أوروبية للضغط الجديّ على إسرائيل تصطدم ليس فقط بالحسابات الأوروبية الداخلية، بل أيضاً بالمعادلة الأميركية الأشمل التي تعتبر أمن إسرائيل جزءاً من الأمن الاستراتيجي الغربي.

أوروبا والتبعية الاستراتيجية للولايات المتحدة

في الواقع، تكشف الأزمة اللبنانية أيضاً حدود ما يُسمّى «الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية». فعلى الرغم من الخطاب الأوروبي المتكرر حول ضرورة بناء سياسة خارجية مستقلة عن واشنطن، أظهرت الوقائع أن أوروبا لا تزال، في الملفات الأمنية الكبرى، مرتبطة إلى حد بعيد بالمظلة الأميركية. وقد بدا ذلك واضحاً في الحرب الأوكرانية، كما بدا واضحاً في الموقف من إسرائيل. فالاتحاد الأوروبي لا يمتلك سياسة خارجية موحدة بالكامل، كما أن قدرته العسكرية الذاتية لا تزال محدودة مقارنة بالولايات المتحدة، ما يجعل هامش المناورة الأوروبي مقيداً بالتحالف الأطلسي وبالاعتبارات الأميركية الأوسع. وفي الشرق الأوسط تحديداً، تدرك أوروبا أن أي صدام سياسي كبير مع إسرائيل قد ينعكس مباشرة على علاقتها بواشنطن، وعلى وحدة المعسكر الغربي نفسه، خاصة في مرحلة يشهد فيها العالم تصاعد التنافس مع روسيا والصين. ولهذا، تفضل أوروبا غالباً اعتماد سياسة تقوم على إدارة الأزمة واحتواء التصعيد والدعوة إلى التهدئة، بدلاً من الانتقال إلى سياسات عقابية فعلية ضد إسرائيل، كتلك التي استخدمتها ضد روسيا في أوكرانيا.

الخوف الأوروبي من انهيار لبنان

لكن الحسابات الأوروبية لا تتعلق فقط بإسرائيل أو بالولايات المتحدة، بل أيضاً بالخوف من البديل المحتمل داخل لبنان نفسه. فالأوروبيون يدركون أن انهيار لبنان الكامل قد يفتح الباب أمام فوضى إقليمية واسعة، وتصاعد نفوذ الجماعات المسلحة، وموجات نزوح جديدة نحو أوروبا، فضلاً عن تهديد أمن شرق المتوسط وممرات الطاقة. ومن هنا، تنظر أوروبا إلى الاستقرار اللبناني باعتباره أولوية أمنية، حتى وإن كان هذا الاستقرار هشاً ومؤقتاً. ولذلك فإن المقاربة الأوروبية تقوم غالباً على محاولة منع الانهيار الكامل، لا على معالجة جذور الأزمة السياسية والعسكرية في المنطقة، وهو ما يفسر استمرار الدعم الأوروبي للجيش اللبناني وللمؤسسات الرسمية اللبنانية وللقوات الدولية العاملة في الجنوب، مع تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل. 

أزمة القانون الدولي وازدواجية المعايير

غير أن الثمن الأكبر لهذه السياسة كان التآكل التدريجي لصورة أوروبا الأخلاقية في العالم. فحين تدافع أوروبا بحزم عن أوكرانيا باسم السيادة والقانون الدولي، ثم تبدو مترددة أمام قصف المدن اللبنانية أو استهداف المدنيين أو انتهاك السيادة اللبنانية، فإنها تفتح الباب واسعاً أمام اتهامها بازدواجية المعايير. 
 وقد أصبح هذا الاتهام جزءاً أساسياً من الخطاب السياسي والفكري في دول الجنوب العالمي، حيث يُنظر إلى الغرب بوصفه يطبق القانون الدولي بصورة انتقائية: قانون صارم تجاه الخصوم، ومرن تجاه الحلفاء.
وهنا تحديداً تواجه أوروبا أزمة تتجاوز السياسة اليومية إلى مستوى أعمق يتعلق بهويتها ودورها العالمي. فالقارة التي بنت جزءاً كبيراً من نفوذها على فكرة الدفاع عن «النظام الدولي القائم على القواعد» تجد نفسها اليوم متهمة بأنها تُخضع هذه القواعد نفسها لموازين القوة والتحالفات. بل إن الأزمة لم تعد خارجية فقط، بل داخلية أيضاً. فداخل المجتمعات الأوروبية نفسها بدأت تتصاعد أصوات تنتقد الموقف الرسمي من إسرائيل ولبنان وغزة، وتطالب بسياسة أكثر اتساقاً مع مبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي. وقد ظهرت هذه التحولات في التظاهرات الشعبية الواسعة، وفي النقاشات الفكرية والجامعية، وفي مواقف بعض الأحزاب الأوروبية، وفي الاعتراف المتزايد بالدولة الفلسطينية. 
ومع أن هذه التحوّلات لم ترقَ بعد إلى تغيير استراتيجي شامل، فإنها تكشف أن أوروبا نفسها دخلت مرحلة مراجعة داخلية لهويتها السياسية والأخلاقية. فالسؤال الذي يواجهها اليوم لم يعد متعلقاً فقط بكيفية إدارة الأزمات في الشرق الأوسط، بل بكيفية الحفاظ على صدقيتها بوصفها قوة قانونية وأخلاقية في عالم يتجه تدريجياً نحو تعددية قطبية جديدة، لم تعد فيه الهيمنة الغربية أمراً مسلماً به كما كان بعد نهاية الحرب الباردة.

أوروبا أمام الامتحان التاريخي

وفي المحصلة، لا يمكن فهم الصمت الأوروبي تجاه العدوان الإسرائيلي على لبنان باعتباره مجرد ضعف دبلوماسي أو نقص في الإرادة السياسية، بل هو انعكاس لبنية كاملة من المصالح والتحالفات والهواجس التاريخية والاستراتيجية. غير أن هذا الصمت يحمل في الوقت نفسه كلفة متزايدة على أوروبا ذاتها. فكلما اتسعت الفجوة بين الخطاب والممارسة، تراجعت قدرة الاتحاد الأوروبي على تقديم نفسه بوصفه مرجعية أخلاقية عالمية. وفي عالم لم تعد فيه القوة العسكرية والاقتصادية وحدها كافية لصناعة النفوذ، قد تكون خسارة أوروبا لمصداقيتها السياسية والأخلاقية أخطر بكثير من أي خسارة جيوسياسية مباشرة. 
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه أوروبا اليوم ليس فقط كيف تتعامل مع لبنان أو إسرائيل، بل كيف يمكنها أن تعيد التوازن بين القيم التي تعلن الدفاع عنها وبين السياسات التي تمارسها فعلياً. لأن مستقبل الدور الأوروبي في العالم قد يتوقف، إلى حد بعيد، على الإجابة عن هذا السؤال.

* وزير سابق