بيروت - لبنان

اخر الأخبار

13 حزيران 2026 12:10ص لو كان هنري كيسنجر على قيد الحياة.. كيف ينصح لبنان بالتفاوض مع إسرائيل؟

حجم الخط
البروفسور ميشال فريد الخوري

لو كان هنري كيسنجر لا يزال حيّاً، ونظر إلى المشهد اللبناني الراهن، في ظل الحرب الدائرة بين إسرائيل وحزب االله في جنوب لبنان، وتدمير عدد كبير من القرى اللبنانية، وتشابك هذه المواجهة مع الصراع الإقليمي بين أميركا وإسرائيل وإيران، لما بدأ نصيحته للبنان من العاطفة الوطنية، ولا من العدالة، ولا من الذاكرة التاريخية، بل من ميزان القوى. فمدرسة كيسنجر، كما تظهر بوضوح في كتابه «الدبلوماسية»، تنظر إلى العلاقات الدولية من زاوية الواقعية السياسية، لا من زاوية النوايا الحسنة أو المبادئ الإنسانية؛ فالسياسة عنده ليست محكمة أخلاقية، بل ساحة مصالح، ومن لا يفهم ميزان القوة قد يخسر حتى لو كان صاحب حق. وكيسنجر، المعروف بقراءته الواقعية للشرق الأوسط، كان سيبدأ من أسئلة محددة: ما هي موازين القوى؟ ومن يملك القرار؟ ومن يستطيع وقف الحرب أو إطالتها؟ ومن يملك القدرة على توقيع اتفاق ثم الالتزام به؟
النصيحة الأولى (فاوضوا بالواقع): لم يكن كيسنجر ليقول للبنان «راهنوا على المجتمع الدولي»، ولا «انتظروا الحل الكبير»، بل كان سيقول: افهموا موقعكم الحقيقي أولاً، ثم فاوضوا على أساس الواقع لا على أساس الوهم. فكيسنجر، المعروف بانحيازه الواضح لإسرائيل ومصالحها، لم يكن لينظر إلى لبنان كدولة قادرة على فرض شروطها بسهولة. كان سيرى أن لبنان يمتلك شرعية دولية، وعضوية في الأمم المتحدة، وحدوداً معترفاً بها، وتعاطفاً دبلوماسياً واسعاً، لكنه في المقابل يعاني ضعفاً داخلياً، وانقساماً سياسياً، وأزمة اقتصادية، ووجود قوى مسلحة خارج سلطة الدولة. وهنا تحضر فكرته في كتابه «النظام العالمي»، حيث يربط استقرار أي نظام سياسي أو دولي بعاملين أساسيين: الشرعية من جهة، وتوازن القوة من جهة أخرى. وبهذا المعنى، فإن لبنان يملك شرعية كبيرة، لكنه يفتقر إلى قوة تنفيذية موحّدة. ومن هذا المنطلق، كان سيقول للبنانيين إن المشكلة لا تكمن في إسرائيل وحدها، بل أيضاً في قدرة لبنان على إنتاج موقف تفاوضي واحد، وأن ما يضعف لبنان ليس تفوّق إسرائيل فقط، بل عجز اللبنانيين عن الاتفاق فيما بينهم على معنى المصلحة الوطنية. فالدولة التي تدخل التفاوض بأكثر من قرار وأكثر من مرجعية، تتحوّل من طرف تفاوضي إلى ساحة تفاوض وفوضى.
النصيحة الثانية (عالجوا قرار الحرب والسلم - أساس المشكلة): كان كيسنجر سيتعامل مع حزب االله كورقة إقليمية مرتبطة بإيران وبميزان الردع مع إسرائيل. وهذا ينسجم مع أسلوبه في قراءة الشرق الأوسط كما يظهر في كتابه «سنوات الاضطراب»، حيث لا يرى الحروب والنزاعات كوقائع منفصلة، بل كجزء من صراع أوسع بين قوى خارجية. لذلك، كان سيعتبر أن أي تفاوض لا يأخذ هذه الحقيقة في الاعتبار سيبقى تفاوضاً ناقصاً. لكنه في المقابل كان سيؤكد أن إسرائيل والولايات المتحدة لن تقبلا بتفاهم نهائي إذا ظل قرار الحرب والسلم خارج يد الدولة اللبنانية. وبذلك، يجد لبنان نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: لا يستطيع تجاهل قوة حزب االله، ولا يستطيع في الوقت نفسه بناء سيادة كاملة من دون معالجة مسألة السلاح الخارج عن سلطة الدولة؛ وهذه العقدة تمثل جوهر الأزمة اللبنانية.
النصيحة الثالثة (جزّئوا ملفاتكم): على لبنان ألا يخلط بين الخطاب السياسي والمكاسب الفعلية. فرفع السقف في الإعلام لا يعني بالضرورة تحسين الشروط على طاولة التفاوض. في كتابه «الدبلوماسية»، تظهر بوضوح فكرة كيسنجر أن السياسة الخارجية لا تُبنى على الأمنيات، بل على القدرة وحسابات المصلحة. لذلك، كان سيقول إن إسرائيل لا تتأثر كثيراً باللغة العاطفية، بل بالكلفة، والضمانات الأمنية، والضغط الأميركي. فإذا أراد لبنان الوصول إلى نتيجة عملية، فعليه تحويل مطالبه إلى ملفات واضحة: وقف الاعتداءات، تثبيت الحدود، معالجة النقاط المتنازع عليها، ضمان عودة الاستقرار إلى الجنوب، وربط أي تفاهم بمكاسب اقتصادية وسيادية. فالتفاوض الناجح، في نظر كيسنجر، لا يقوم على الشعارات الكبرى، بل على تقسيم الصراع إلى خطوات صغيرة قابلة للتطبيق.
النصيحة الرابعة (اجعلوا أهدافكم مصلحة أميركية): على لبنان أن يدرك أن الولايات المتحدة ليست وسيطاً محايداً. فكيسنجر نفسه، في مذكراته «سنوات البيت الأبيض» و«سنوات الاضطراب»، يعرض السياسة الأميركية على أنها سياسة مصالح استراتيجية، لا سياسة حياد. لذلك، لا ينبغي للبنان أن يدخل أي تفاوض وهو يتخيّل أن واشنطن ستضغط على إسرائيل بالطريقة نفسها التي تضغط بها على دولة ضعيفة. من هنا، ستكون نصيحته للبنان أن يخاطب واشنطن بلغة المصالح، لا بلغة الشكوى وحدها. على لبنان أن يوضح للأميركيين أن استمرار تدمير الجنوب لا يضعف حزب االله فقط، بل يضعف الدولة اللبنانية أيضاً، ويفتح الباب أمام فوضى طويلة، ونزوح جديد، واتساع نفوذ إيران، وانهيار أي فرصة للاستقرار. بهذا المعنى، يجب أن يحوّل لبنان استقراره إلى مصلحة أميركية، لا إلى مطلب لبناني فقط. هذه هي طريقة كيسنجر في التفكير: الدولة الضعيفة لا تغيّر حسابات الدولة الكبرى بالبكاء، بل بإظهار أن تجاهلها ستكون له كلفة على الآخرين. فكلما بدا لبنان كدولة عاجزة أو كامتداد لمحاور إقليمية، ضعفت قدرته على كسب التأييد الأميركي. أما إذا ظهر كدولة تعمل على ضبط الحدود، وحماية المدنيين، وتحريك الاقتصاد، ومنع الحرب، فقد يضع إسرائيل في موقع محرج أمام العالم.
النصيحة الخامسة (استخدموا أوراق القوة المتاحة لكم): لا ينبغي الدخول في أي تفاوض من دون امتلاك أوراق قوة، ولا يُقصد بالقوة هنا السلاح وحده. فلبنان يملك عناصر يمكن أن يستخدمها، مثل الشرعية الدولية، والقرارات الأممية، وحاجة أوروبا والولايات المتحدة إلى الاستقرار في المنطقة، وملف الطاقة، وموقعه الجغرافي، والخشية من موجات نزوح جديدة، إضافة إلى مصلحة معظم الأطراف في منع اندلاع حرب واسعة. وهذا ينسجم مع منهج كيسنجر في «الدبلوماسية»، حيث لا تقتصر القوة على البُعد العسكري، بل قد تكون جغرافية أو سياسية أو اقتصادية، أو ناتجة عن موقع الدولة بالنسبة لمصالح الآخرين. كان كيسنجر سيقول إن الدولة الضعيفة تحقق مكاسبها عبر تحويل ضعفها إلى مصدر قلق لدى الآخرين. فإذا كان انهيار لبنان يضرّ بمصالح الخارج، فعلى لبنان أن يجعل استقراره جزءاً من تلك المصالح أيضاً. لكنه في المقابل كان سيحذّر من الاتكال الكامل على الخارج، لأن الدول الكبرى لا تحمي الدول الضعيفة بدافع العاطفة، بل عندما تلتقي حمايتها مع مصالحها.
النصيحة السادسة (افصلوا المطلب اللبناني عن الحساب الإيراني): في ما يتعلق بإيران، كان كيسنجر سيحذّر لبنان من التحوّل إلى ورقة في حرب ليست حربه. ففي كتابه «عن الصين»، وكما في تجربته مع الدبلوماسية الثلاثية بين واشنطن وموسكو وبكين، كان يربط الجبهات أو يفصلها وفقاً للمصلحة. ولو طبّق هذا المنطق على لبنان، لقال إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحوّل الجنوب اللبناني إلى مجرد ساحة ضغط إيرانية على إسرائيل والولايات المتحدة. لذلك، على الدولة اللبنانية أن تعمل قدر الإمكان على فصل المطلب اللبناني عن الحسابات الإيرانية، وذلك لحماية القرى، ووقف الحرب، واستعادة السيادة، ومنع استخدام لبنان كساحة مفتوحة لقوى خارجية.
النصيحة السابعة (اجعلوا الاستقرار مصلحة لإسرائيل): كان كيسنجر سينصح لبنان بألا يراهن على تغيير نوايا إسرائيل، بل على تبديل حساباتها. فهو يرى أن الدول لا تغيّر سلوكها لأنها اقتنعت أخلاقياً، بل لأنها تكتشف أن كلفة الاستمرار في التصعيد أعلى من كلفة التسوية. من هذا المنظور، كان كيسنجر سينصح لبنان بأن يقدّم نفسه لا كخصم أيديولوجي لإسرائيل، بل كدولة تسعى إلى الاستقرار. لذلك، على لبنان أن يفاوض بطريقة تجعل الاستقرار أكثر فائدة لإسرائيل من التصعيد، وتجعل التفاهم أفضل من الحرب المفتوحة. وهذا لا يتحقق بالشعارات فقط، بل عبر دور فعلي للجيش اللبناني، وضمانات أمنية، ورقابة دولية، والتزام واضح يمنع تحويل الجنوب إلى ساحة مفتوحة لحسابات إقليمية.
النصيحة الثامنة (أنجزوا تفاهمات جزئية قبل السلام الشامل): كان كيسنجر سيقول للبنان إن السلام الشامل لا يجب أن يكون البداية. فمدرسته تقوم على ما يُعرف بـدبلوماسية الخطوة خطوة أو «Incremental Diplomacy»، أي أن يبدأ لبنان بتفاهمات محدودة: تهدئة ميدانية، ترتيبات حدودية، آليات مراقبة، معالجة نقاط خلافية، ثم الانتقال لاحقاً إلى ملفات أوسع. في كتابه «عالم مستعاد»، ركّز كيسنجر على فكرة النظام والتوازن بعد الحروب الكبرى، وعلى أن الاستقرار لا تصنعه الشعارات، بل ترتيبات تقبل بها القوى الأساسية. وتجربته في الدبلوماسية المكوكية أو «Shuttle Diplomacy» بعد حرب 1973 توضّح ذلك: لم يكن يسعى إلى حلّ الصراع العربي - الإسرائيلي كله دفعة واحدة، بل إلى فصل الجبهات، وخفض التصعيد، وخلق ترتيبات محدودة تغيّر الواقع تدريجياً. لذلك كان سيقول أن القفز مباشرة نحو سلام شامل قد يفجّر الداخل اللبناني، بينما يمكن للاتفاقات الجزئية أن تكون أكثر قابلية للاستيعاب أمام الرأي العام اللبناني. هذه هي الدبلوماسية التي عُرف بها كيسنجر: لا تعالج كل شيء دفعة واحدة، بل تمنع الانفجار وتفكك العقد واحدة بعد أخرى.
في الختام، لو كان هنري كيسنجر لا يزال حيّاً، ربما كان سيقول للبنان: لا تفاوضوا إسرائيل على أساس أن العالم عادل، بل تفاوضوا معها على أساس أن العالم قاسٍ، ولكن من دون أوهام أو مكابرة. لا تدخلوا المفاوضات بمنطق الضحية، بل بمنطق الدولة التي تملك خطة واضحة. لا تراهنوا على أن الولايات المتحدة ستتخلى عن إسرائيل، بل افهموا حجم نفوذها، وحاولوا إقناعها بأن إنقاذ لبنان يخدم مصالحها ويعزز أمن إسرائيل. لا تعتقدوا أن امتلاك الحق يكفي وحده، فالحق يحتاج إلى قوة وتنظيم، والقوة والتنظيم يحتاجان إلى دولة. لا تدخلوا المفاوضات بخطابين وسلاحين وقرارين، بل بموقف رسمي واحد تمثله الدولة. ولا تجعلوا الجنوب مجرد ساحة ضمن صراع إيران وإسرائيل، بل حوّلوه إلى قضية سيادة لبنانية. وربما تكون نصيحته الأهم، كما يمكن فهمها من كتابيه «الدبلوماسية» و«النظام العالمي»، أن لبنان لن يستطيع انتزاع شيء من إسرائيل إلّا إذا انتقل من كونه ساحة مفتوحة إلى دولة متماسكة. فإسرائيل، في تفكير كيسنجر، لا تؤثر فيها العاطفة أو الأخلاق، بل تردعها الكلفة، وتحركها المصلحة، وتلزمها الضمانات. أما لبنان، إذا أراد التفاوض مع إسرائيل بجدية ونجاح، فعليه أولاً أن يستعيد معنى الدولة: قرار واحد، حدود واضحة، ومصلحة وطنية لا تكون في إسرائيل، ولا في إيران، ولا في أي محور خارجي آخر.