مضيق هرمز... حين تتحوّل المناورة الإيرانية إلى اختبار لميزان القوة الأميركي
د. روجيه الشويري*
منذ قيام الجمهورية الإسلامية، دأبت القيادة الإيرانية على بناء استراتيجيتها الإقليمية على مبدأ إدارة الأزمات لا إنهائها، ورفع سقف التهديد كلما اشتدّت الضغوط، في محاولة لتحويل عناصر الضعف إلى أوراق تفاوض. واليوم، يبدو أن هذا النهج دخل مرحلة جديدة، بعدما باتت التصريحات الإيرانية تعتبر أن مضيق هرمز يتقدم في أهميته على الملف النووي نفسه، في رسالة سياسية لا تخلو من الدلالات، مفادها أن معركة النفوذ لم تعد تدور حول تخصيب اليورانيوم أو أجهزة الطرد المركزي، بل حول القدرة على تهديد أحد أهم الشرايين البحرية في العالم.
هذه الرسائل ليست عفوية، ولا يمكن فصلها عن الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية التي تواجهها طهران. فهي تعكس محاولة واضحة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك، ونقل مركز الثقل من الساحة النووية، حيث تواجه إيران ضغوطاً متزايدة، إلى ساحة تعتقد أنها تمتلك فيها قدرة أكبر على المناورة ورفع كلفة أي مواجهة.
فالقيادة الإيرانية تدرك جيداً أن مجرد الحديث عن مضيق هرمز يكفي لإرباك أسواق النفط، ورفع أسعار الطاقة، وإثارة قلق العواصم الكبرى. ولهذا السبب، تحوّل المضيق إلى ورقة ضغط دائمة في الخطاب الإيراني، تُستحضر كلما اقتربت الأزمة من نقطة حرجة.
لكن المشكلة في الحسابات الإيرانية تكمن في الخلط بين امتلاك القدرة على التعطيل، وامتلاك القدرة على فرض الإرادة السياسية والعسكرية.
فلا شك أن إيران راكمت خلال العقود الماضية منظومة متطورة من أدوات الحرب غير التقليدية. فقد استثمرت في الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، والزوارق السريعة، والألغام البحرية، والحرب الإلكترونية، كما بنت شبكة واسعة من الحلفاء والوكلاء في أكثر من ساحة إقليمية. وهذه الأدوات أثبتت قدرتها على إرباك الخصوم، واستنزافهم، ورفع كلفة أي عمل عسكري ضدها.
غير أن هذه القدرات، مهما بلغت فعاليتها، تبقى أدوات لتعطيل الخصم، لا لتغيير ميزان القوى.
فالتاريخ العسكري يعلّمنا أن القدرة على توجيه الضربات ليست هي المعيار الوحيد للانتصار. فالحروب الحديثة تُحسم بتكامل عناصر القوة؛ بالاقتصاد، والصناعة العسكرية، والقدرات الاستخباراتية، والسيطرة الجوية والبحرية، واستمرار خطوط الإمداد، وعمق التحالفات السياسية، وهي عناصر لا تزال تميل بصورة واضحة إلى الولايات المتحدة وشركائها.
ولعل ما يغيب عن الخطاب الإيراني أن أمن مضيق هرمز لم يعد قضية أميركية فقط، بل أصبح ركناً أساسياً في استقرار الاقتصاد العالمي. فالصين، والهند، واليابان، وكوريا الجنوبية، والاتحاد الأوروبي، تعتمد بدرجات متفاوتة على استمرار تدفق الطاقة عبر الخليج العربي. وأي محاولة لإغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة فيه لا تعني تحدّي واشنطن وحدها، بل تعني الاصطدام بمصالح اقتصادية واستراتيجية لدول كبرى، قد تختلف سياسياً مع الولايات المتحدة، لكنها تتفق معها في رفض تهديد حرية الملاحة.
ومن هنا، تبدو المراهنة الإيرانية على مضيق هرمز محفوفة بالمخاطر. فهي قد تحقق أثراً إعلامياً أو اقتصادياً مؤقتاً، لكنها في الوقت نفسه قد تدفع المجتمع الدولي إلى مزيد من الاصطفاف ضد طهران، وتوفر مبررات أوسع لأي تحرك سياسي أو عسكري لحماية هذا الممر الحيوي.
وفي المقابل، فإن السياسة التي تبنّاها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقوم على مبدأ مختلف تماماً. فمنذ عودته إلى البيت الأبيض، أوضح أن سياسة الردع يجب أن تكون أكثر وضوحاً وحسماً، وأن الولايات المتحدة لن تسمح بتحويل خطوط الملاحة الدولية إلى أدوات ابتزاز سياسي أو عسكري. وتقوم هذه المقاربة على أن التراجع أمام سياسة فرض الأمر الواقع لا يؤدي إلى الاستقرار، بل يشجع على مزيد من التصعيد، وأن الحفاظ على حرية الملاحة جزء من هيبة الولايات المتحدة ومصداقية التزاماتها تجاه حلفائها.
ومن هذا المنظور، فإن أي اختبارا إيرانيا في مضيق هرمز لا يُنظر إليه في واشنطن باعتباره حادثاً بحرياً محدوداً، بل باعتباره اختباراً لمعادلة الردع الأميركية نفسها. ولذلك فإن الإدارة الأميركية تدرك أن أي تهاون قد يفتح الباب أمام تحديات مشابهة في مناطق أخرى من العالم، وهو ما يفسر تمسّكها بإظهار التفوّق العسكري والقدرة على حماية المصالح الدولية.
أما الرهان الإيراني على توسيع دائرة المواجهة لتشمل دول الخليج التي تستضيف قواعد أميركية، فهو يحمل في طياته مفارقة واضحة. فبدلاً من إضعاف العلاقات الأمنية بين هذه الدول وواشنطن، قد يؤدي إلى تعزيزها بصورة غير مسبوقة. فكلما ازداد الشعور بالخطر، ازدادت الحاجة إلى التعاون الدفاعي، وإلى تطوير منظومات الدفاع الجوي، وتكثيف التنسيق الاستخباراتي، وتعزيز الوجود العسكري الأميركي والغربي في المنطقة.
وهكذا، فإن سياسة توسيع دائرة التهديد قد تنتهي عملياً إلى توسيع دائرة الخصوم أيضاً، وهو ما لا يصب في المصلحة الإيرانية على المدى البعيد.
ولا ينبغي التقليل من قدرة إيران على إلحاق الضرر. فهي قادرة على إرباك الملاحة، ورفع أسعار النفط، وإطالة أمد أي صراع، وفرض تكاليف اقتصادية وعسكرية على خصومها. لكن الفارق يبقى كبيراً بين إطالة الحرب وبين كسبها، وبين تعطيل الخصم وبين فرض معادلة استراتيجية جديدة.
لقد أثبتت تجارب التاريخ أن كثيراً من القوى الإقليمية نجحت في استنزاف خصومها، لكنها أخفقت في ترجمة ذلك إلى انتصار سياسي دائم، لأن ميزان القوى لا يقاس بلحظة التصعيد، بل بقدرة الدولة على الاستمرار، وعلى المحافظة على اقتصادها، وتحالفاتها، وشرعيتها الدولية، وتفوّقها التكنولوجي والعسكري.
ومن هنا، فإن الرهان الإيراني على مضيق هرمز يبدو أقرب إلى ورقة ضغط تفاوضية منه إلى مشروع قادر على تغيير قواعد اللعبة. أما إذا تحوّلت هذه الورقة إلى مواجهة مفتوحة، فإن طهران ستجد نفسها أمام شبكة واسعة من القوى الدولية التي ترى في أمن المضيق مصلحة حيوية لا يمكن التساهل بشأنها.
في النهاية، تبقى الحقيقة التي تؤكدها موازين القوة أكثر من الخطابات السياسية: تستطيع إيران أن تجعل أي مواجهة أكثر كلفة وتعقيداً، وأن تؤخر الحسم، وأن تفرض على خصومها أثماناً باهظة، لكنها لا تمتلك، حتى الآن، عناصر القوة الشاملة التي تخولها إعادة رسم ميزان القوى في الخليج أو فرض إرادتها على المجتمع الدولي.
وفي المقابل، تراهن واشنطن على أن الردع الصلب، المدعوم بالتفوّق العسكري والتكنولوجي وشبكة التحالفات الدولية، سيظل العامل الحاسم في أي مواجهة طويلة. فالأزمات قد تبدأ بصاروخ، أو بلغم بحري، أو بتهديد بإغلاق مضيق، لكن نهاياتها تُكتب عادةً بميزان القوة الشاملة، لا بقدرة طرف على إشعال الأزمة أو إطالة أمدها.
* حزب الحوار الوطني






