بيروت - لبنان

اخر الأخبار

8 نيسان 2026 12:00ص مطبَّات العلاقات الدبلوماسية من Persona non Grata إلى حدّ قطعها

حجم الخط
المبدأ هو أنه يتوجّب على الدولة المعتمِدة أن تستدعي مبعوثها الدبلوماسي عندما تعتبره الدولة المعتمد لديها شخصاً غير مرغوب فيه ويترتّب عليه أن يغادر مركز عمله عائداً إلى بلده. هذا وفقاً للمادة 9 فقرة 1 من إتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية للعام 1961. وتجب الإشارة هنا إلى أن المادة 9 فقرة 2 قد استدركت حالة رفض الدولة المعتمِدة استدعاء مبعوثها الدبلوماسي ونصّت على أنه « يجوز للدولة المعتمد لديها، أن ترفض الإعتراف بالشخص المعني فرداً في البعثة، إن رفضت الدولة المعتمِدة أو قصّرت خلال فترة معقولة من الزمن عن الوفاء بالتزاماتها المترتبة عليها بموجب الفقرة 1 من هذه المادة « « The receiving state may refuse to recognize the person concerned as a member of the mission»
ماذا يعني رفض الدولة المعتمد لديها الإعتراف بالشخص المعني أي بالمبعوث الدبلوماسي، المُعلن عنه غير مرغوب فيه، «فرداً في البعثة» ؟
يمكن الإستنتاج من عبارة عدم الإعتراف بالمبعوث الدبلوماسي « فرداً في البعثة» أنه لم يعد يتمتّع بالحصانة الدبلوماسية إذ يُصبح شخصاً عادياً رغم أنه ما زال يحمل جواز السفر الدبلوماسي.
كما يمكن أيضاً الإستناد الى المادة 41 فقرة (1) من إتفاقية فيينا والتي يصُح الإستنتاج منها أن الدبلوماسيين يتمتّعون بالحصانات والإمتيازات من أجل أهداف معيّنة كاحترام قوانين الدولة المعتمد لديها وأنظمتها وعدم التدخّل في شؤونها الداخلية وعدم استخدام دار البعثة بأية طريقة تتنافى مع وظائف البعثة كما هي مبيّنة في هذه الإتفاقية أو في غيرها من قواعد القانون الدولي العام...
وهكذا نطرح السؤال ما هي الغاية الأساسية من منح الدبلوماسيين الحصانات والإمتيازات؟ إنه من المنطقي القول أن الغاية من منحها هذه المزايا هي تمكين الدبلوماسيين من القيام بواجباتهم المنصوص عليها في معاهدة فيينا للعلاقات الدبلوماسية وفي قواعد القانون الدولي العام وإلاّ انتفت الحاجة إلى منحهم هذه الحصانات والإمتيازات. ونكون قريبين من جادّة الصواب إذا استنتجنا ممّا تقدّم أن إعطاء الدبلوماسيين المعتمدين حق التمتّع بالحصانات والإمتيازات مقرون ومرتبط بشروط معيّنة وهي كما ذكرنا أعلاه قيام الدبلوماسيين بوظائفهم وواجباتهم وفقاً للقوانين والمعاهدات ذات العلاقة.
من جهة أخرى لا بدّ لنا في هذا الإطار من الإشارة إلى أن قرار الدولة المعتمِدة باستدعاء سفيرها للتشاور لمدّة محدودة يعني مبدئياً برودة في العلاقات الدبلوماسية. 
كما إن الإستدعاء حتى المؤقت للمبعوث الدبلوماسي يشير الى تدهور العلاقات بين البلدين من دون أن تُقطع العلاقات بين الدولتين. ونضيف أيضاً أنه عندما تعلن الدولة المعتمد لديها أن سفيراً غير مرغوب فيه وتطلب منه المغادرة في مهلة معينة، فهذا يدلّ على توتّر فعلي وجدّي بين الدولتين وغالباً ما يتبع ذلك قرار مماثل من الدولة المعتمِدة.
بقي أمامنا أن نتحدّث عن قطع العلاقات بين الدولتين والذي ينهي المهمة الدبلوماسية بأكملها وغالباً ما يُتّخذ هذا القرار بصفة أحادية أي من طرف واحد ويدلّ على حالة عداء أو تهديد للأمن القومي أو حرب أو إختلاف سياسي جوهري بين الدولتين وفي هكذا حالة يتمّ استدعاء جميع موظفي المهمة الدبلوماسية ممّا يحمل الطرف الآخر على القيام بنفس التدابير وهذا لا يعني بالضرورة انتهاء العلاقات القنصلية إذ تُسند رعاية مصالح الدولتين إلى دولة ثالثة.
ونذكر هنا على سبيل المثال أن المملكة العربية السعودية قد قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع كل من فرنسا وبريطانيا في العام 1956 إبّان العدوان الثلاثي على مصر. كما قطعت في العام 1965 سبع دول إفريقية علاقاتها الدبلوماسية مع بريطانيا بسبب استيائها من تعامل هذا الأخيرة مع روديسيا (زمبابوي) والتي أعلنت استقلالها بصورة أحادية من دون موافقة البريطانيين.
ويجدر بنا الإنتباه الى أن بعض المصادر الدبلوماسية تحدّثت عن إمكانية قيام الدولة المعتمد لديها بالطلب من الدولة المعتمِدة سحب سفيرها  «request the recall of a diplomat» في حال أقدم على تصرّفات مسيئة إليها. ولقد أدرجت هذه المصادر هذا التصرّف في خانة التعامل الأكثر لياقة وذلك لتجنّب إعلان السفير شخصاً غير مرغوب فيه باعتباره تصرفاً مسيئاً الى العلاقات الثنائية.
وفي الختام تجب الملاحظة إلى أن قطع العلاقات الدبلوماسية لها مخاطرها إذ قد تؤدي أحياناً إلى حرب بين الدولتين المعنيتين، ويتعاظم هذا الخطر في ظلّ حصول دول عديدة على أسلحة نووية ممّا يعزّز اللجوء الى حرب نووية. لكن مهما يكن من أمر فإنه من محاسن قطع العلاقات الدبلوماسية تخفيف وتنفيس الإحتقان السياسي الذي ولّدته المصالح المتضاربة بين الدولتين في انتظار تبدّل الظروف السياسية والتي من شأنها أن تعيد العلاقات الى مجراها الطبيعي.

دكتور في القانون العام