لميس شقير
قبل التطرّق إلى الملف النووي الإيراني، الذي بات في صلب التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، لا بد من العودة إلى العلاقات المتأرجحة بين التعاون والقطيعة بين إيران وإسرائيل، ودور اليهود في المنطقة قبل قيام إسرائيل عبر التاريخ.
في بلاد فارس خلال القرنين الخامس والسادس الميلاديين، عاش اليهود في ظل الإمبراطورية الساسانية، وتمتعوا بقدر من الاعتراف والحماية. ومع الفتح الإسلامي أصبح اليهود جزءاً من نظام «أهل الذمة»، ضمن قيود قانونية تتفاوت حدّتها بحسب الظروف السياسية وطبيعة الحكم. وفي العهد الصفوي، لم يكن التمييز مقتصراً على اليهود، بل طال مختلف الجماعات غير الشيعية. ومع صعود الأفشاريين وبدايات الحكم القاجاري، تراجعت حماية الأقليات، وظهرت في بعض المدن مثل أصفهان وشيراز قيود اجتماعية، واستمروا ضمن نظام «أهل الذمة» حتى القرن التاسع عشر، ثم تحسّن الوضع بفعل تدخّلات أوروبية، قبل أن يأتي دستور ١٩٠٦ ليؤسس لمفهوم المواطنة ويمنح اليهود حقوقاً قانونية رسمية.
بدأ التحوّل الكبير في أوضاع اليهود في إيران عام ١٩٢٥ مع صعود رضا شاه بهلوي، واستمر في عهد ابنه، حيث اندمجوا بصورة أوسع في المؤسسات العامة وشغلوا مناصب إدارية وعسكرية. إلّا أن أعدادهم تراجعت لاحقاً، خصوصاً بعد قيام إسرائيل، مع موجات هجرة واسعة في المنطقة، بينها انتقال نحو ١٥٠ ألف يهودي عراقي إليها عبر إيران. وغادر من إيران نحو عشرين ألفاً إلى إسرائيل، معظمهم من الفئات الفقيرة، بينما فضّلت الطبقات الاقتصادية العليا البقاء. وكان لطرح دافيد بن غوريون لـ«نظرية التحالفات الطرفية» دور مهم في بناء علاقات مع دول غير عربية، وفي مقدمتها إيران وتركيا. وبعد الاعتراف الرسمي بين إسرائيل والدول ذات الأغلبية المسلمة، توسّعت مجالات التعاون في الأمن والاقتصاد والاستخبارات والتكنولوجيا في الستينيات، وشهدت هذه المرحلة إنتاجاً فكرياً نقدياً، من أبرز أمثلته كتاب جلال آل أحمد «الجمهورية الإسرائيلية» عام ١٩٦٣ عقب زيارته لإسرائيل.
شكّلت الثورة الإسلامية عام ١٩٧٩ زلزالاً سياسياً غيّر جذرياً طبيعة العلاقة بين إيران وإسرائيل، إذ انتقلت الأخيرة إلى موقع الخصم الأيديولوجي للنظام الجديد. ورغم القطيعة الرسمية، التي شملت إلغاء الرحلات الجوية وتحويل السفارة الإسرائيلية في طهران إلى بعثة فلسطينية زارها ياسر عرفات، استمرت قنوات اتصال غير مباشرة تضمنت التجارة والتعاون العسكري. كما دعمت إسرائيل الاقتصاد الإيراني واحتياجاته النفطية، وبلغ هذا التقاطع ذروته في فضيحة إيران – كونترا.
تعامل الغرب مع الثورة الإيرانية كـ«قطيعة حضارية»، لأن هذا النموذج يتناقض مع الحداثة الغربية التي يفترض أن تكون ديمقراطية أو علمانية. وتعتبر إسرائيل نفسها أقرب إلى الأوروبيين من الأوروبيين أنفسهم، وهي حاضرة في العديد من المنظمات الأوروبية مثل «يوروفيجن» وغيرها. في المقابل، تقوم الرؤية السياسية الإيرانية على معارضة الليبرالية والعلمانية، حيث يُنظر إلى النموذج الغربي كإرث تاريخي معقّد يختلف عما تفتخر به إيران.
تغيّرت المعادلات مع نهاية الحرب العراقية، بفعل تحوّلين أساسيين: انهيار الاتحاد السوفييتي، وسقوط العراق كعدو مركزي لإيران وخروجه من الحسابات الأمنية الإسرائيلية، ما أعاد رسم توازنات العلاقة بين الطرفين، وجرى نقل مركز التهديد لإسرائيل من بغداد إلى طهران. فبنية إسرائيل القائمة على الأمن تحتاج في جيوسياساتها إلى عدو، وتعتمد على الصراع كي تستمر عبر خطاب يقوم على ضرورة البقاء في حالة قتال. وهنا أعاد ذلك تشكيل الاستراتيجية الإسرائيلية، فتم التخلي عن استراتيجية «المحيط» في التسعينيات، والاتجاه نحو سياسة «التطبيع» مع بعض الدول العربية السنية، مع اعتبار إيران الخطر الأساسي بوصفها قوة شيعية ومزعزعة للاستقرار.
منذ التسعينيات، اكتسب الملف النووي الإيراني أهمية متزايدة في العلاقات الدولية، وازدادت حساسيته بعد أحداث ١١ أيلول، حين أُدرجت إيران ضمن قائمة التهديدات الأمنية الكبرى، وتحوّل لاحقاً إلى محور مركزي. وتعود جذور الملف النووي إلى عهد الشاه محمد رضا بهلوي، حيث أُنشئ بدعم غربي وتحت شعار الاستخدامات السلمية للطاقة النووية. وبعد الثورة، أكدت إيران لسنوات أن برنامجها النووي مدني فقط، بل إن بعض المرجعيات الدينية اعتبرته محظوراً دينياً.
أما إسرائيل فانتهجت منذ عام ١٩٦٥ سياسة «الغموض النووي»، وما زالت تمتلك قدرات نووية من دون اعتراف رسمي، ما يضعها في موقع استثنائي ضمن نظام عدم الانتشار النووي، إذ إنها خارج معاهدة (NPT) ولا تخضع لرقابة شاملة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وقد تطور برنامجها النووي بدعم فرنسي قبل أن تشهد السياسة الفرنسية تحولاً في عهد شارل ديغول. وفي عام ٢٠١٥، أبرم أوباما اتفاقاً يسمح برقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية الإيرانية على البرنامج النووي مقابل رفع جزئي للعقوبات، إلا أن انسحاب الولايات المتحدة عام ٢٠١٨ في عهد ترامب الأول أدّى إلى انهيار الاتفاق وإعادة فرض العقوبات، وحرب الـ١٢ يوماً وحرب ٢٠٢٦ في ولايته الثانية...
في ظل ازدواجية المعايير في التعامل مع البرامج النووية في الشرق الأوسط، والتحولات والمتغيرات في إيران والمنطقة اليوم، والتاريخ المشترك القديم، وبعد صولات وجولات في الدبلوماسية والعسكر ولدت مذكرة تفاهم تُعد ثمرة صمود إيراني مكلف. فهل يستطيع الملف النووي في المنطقة إنهاء الصراع الإسرائيلي - الإيراني القائم؟ وهل تلتقي المصالح الإسرائيلية الإيرانية مجدّدا تحت مظلة تحالف أميركي غير مباشر؟ أم أن العداء الأيديولوجي المتجذّر سيستمر، واليورانيوم المخصّب سيبقى محور صراع مفتوح في المنطقة وينتقل من طهران إلى عاصمة أخرى؟