زياد موسى*
بدايةً، لا بد من الإشادة بالمقاربة التي قدّمها الوزير السابق مصطفى بيرم، والتي اتسمت بمحاولة تأطير النقاش ضمن مفاهيم القانون الدولي ونظرية الدولة، بعيداً عن السجالات الشعبوية. كما أن العديد من العقلاء في خط المقاومة لطالما سعوا إلى تقديم خطاب عقلاني يربط بين الحق في مقاومة الاحتلال وبين متطلبات الاستقرار الداخلي، وهو مسعى يُحسب لهم في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد. غير أن الإشكالية الجوهرية لا تكمن في مبدأ مشروعية المقاومة بحد ذاته، إذ إن القانون الدولي يعترف، في ظروف محددة، بحق الشعوب في مقاومة الاحتلال. بل تكمن في كيفية تنظيم هذا الحق داخل كيان الدولة الحديثة، بحيث لا يتحول إلى مصدر ازدواجية في السلطة أو تنازع في القرار السيادي.
من منظور قانوني دستوري، فإن الدولة، أي دولة، لا تُقاس فقط بمدى تعرضها لتهديدات خارجية، بل بقدرتها على احتكار القرار السيادي، لا سيما قرار استخدام القوة. وهنا تحديداً يظهر التحدي اللبناني: كيف يمكن التوفيق بين مشروعية المقاومة من جهة، وبين مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة من جهة أخرى؟
إن الطرح الذي يربط بين ضعف الدولة وشرعية تعدد السلاح، رغم وجاهته الظرفية، يحمل في طياته مخاطر بنيوية. فقبول هذا المنطق يعني عملياً فتح الباب أمام تعدد مراكز القرار، وهو ما يتناقض مع جوهر فكرة الدولة الحديثة كما استقرت في القانون الدولي وفي التجارب الدستورية المقارنة. وعليه، فإن المعادلة الأكثر توازناً لا تقوم على نفي المقاومة، بل على إدماجها ضمن استراتيجية دفاعية وطنية تقرّها الدولة وتحتكر قرارها. وفي هذا السياق، يمكن فهم قرارات حكومة نواف سلام ليس بوصفها مواجهة مع المقاومة، بل كمحاولة لإعادة تنظيم المجال السيادي، ومنع الانزلاق إلى صراعات مفتوحة لا يملك لبنان ترف تحمّلها. خصوصاً في ظل واقع إقليمي شديد الهشاشة، حيث باتت كلفة أي مواجهة تتجاوز الحدود الوطنية. كما أن المعادلة الداخلية اليوم تختلف عن مراحل سابقة، فوجود رئيس للجمهورية مثل جوزاف عون، الآتي من صلب المؤسسة العسكرية، يعكس توجهاً واضحاً نحو إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الضامنة. وكذلك فإن شخصية رئيس الحكومة، الذي سبق أن تجرأ في المحافل الدولية على الدفع باتجاه ملاحقة شخصيات بحجم بنيامين نتنياهو، تؤشر إلى أن المسار الحالي لا ينطلق من موقع ضعف أو تبعية، بل من محاولة تثبيت موقع الدولة كمرجعية قانونية وسياسية.
إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في إثبات مشروعية هذا الطرف أو ذاك، بل في إنتاج صيغة وطنية متقدمة تحمي لبنان من الانكشاف، وتمنع في الوقت نفسه تآكل مفهوم الدولة. فالمقاومة التي شكلت عنصر قوة تاريخياً، تحتاج في هذه المرحلة إلى مظلّة سيادية واضحة تحصّنها بدل أن تضعها في مواجهة مع مؤسسات الدولة.
إن المرحلة الراهنة لا تحتمل المهاترات، ولا تقبل بأنصاف المواقف. فإما دولة قادرة على إدارة توازناتها بوضوح، أو فراغ يفتح الباب لكل الاحتمالات. ومن المؤكد أن داخل حزب الله نفسه الكثير من العقلاء الذين يدركون دقة اللحظة، ويفهمون أن حماية المقاومة تمر اليوم عبر تعزيز الدولة، لا موازاتها. وبين هذين الخيارين، يبدو أن الرهان الحقيقي هو على تغليب منطق الدولة، بوصفها الإطار الوحيد القادر على حماية الجميع في زمن مفتوح على أبواب جهنم منذ 2019.