تحلّ ذكرى الهجرة النبوية الشريفة كل عام لا بوصفها مناسبة دينية يستعيد فيها المسلمون حدثاً من الماضي فحسب بل باعتبارها واحدة من أبرز اللحظات المؤسسة في التاريخ الإنساني، لحظة غيّرت مسار مجتمع بأكمله وأطلقت مشروعاً حضارياً جديداً أعاد تعريف العلاقة بين الإنسان والدولة والمجتمع والقيم التي تنتظمها.
فالهجرة لم تكن مجرد انتقالاً جغرافياً من مكة إلى يثرب بل كانت انتقالاً نوعياً من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة الفعل الحضاري، ومن ردود الأفعال إلى صناعة المستقبل ومن العصبية القبلية الضيقة إلى فضاء الأمة الجامعة، ومن الولاءات المغلقة إلى منطق العقد الاجتماعي القائم على الحقوق والواجبات والمسؤولية المشتركة.
وليس من قبيل المصادفة أن يتخذ المسلمون الهجرة بداية لتقويمهم الحضاري. فالتاريخ لا يبدأ عادة بولادة الأشخاص أو بانتصارات الجيوش بل باللحظات التي تشهد تحولات عميقة في وعي الإنسان بذاته وفي فهمه لدوره داخل المجتمع وموقعه في حركة التاريخ.
لقد مثّلت الهجرة إعلاناً عن ولادة نموذج حضاري جديد يقوم على تحرير الإنسان من الخضوع للبشر ومن هيمنة الامتيازات المغلقة. ومن هذا المعنى العميق انطلقت مقولة «إنما جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد»، بوصفها مشروعاً لتحرير الإنسان من أشكال الاستعباد السياسي والاجتماعي والفكري كافة. كما تجلّت في المقولة الخالدة «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً»، تأكيداً أن الكرامة الإنسانية والحرية ليستا منحة من حاكم أو سلطة بل حق أصيل لكل إنسان.
وقبل الهجرة بسنوات جاءت رحلة الإسراء والمعراج لتؤسس لتحوّل عميق في الوعي الرسالي. فلم تكن مجرد تكريم للنبي محمد صلى االله عليه وسلم بل إعداداً روحياً وفكرياً لتحمّل مسؤولية بناء مجتمع جديد. فقد ربطت الرسالة الخاتمة بمسار الرسالات السماوية جميعاً وأعادت تعريف دور الإنسان في الأرض باعتباره مستخلفاً مسؤولاً عن العمران وتحقيق الخير والعدل بعيداً عن أوهام التفوّق العرقي أو الامتيازات الوراثية.
ومن هنا يمكن النظر إلى الهجرة بوصفها ثمرة رؤية استراتيجية بعيدة المدى، نقلت الرسالة من دائرة المواجهة الدفاعية إلى فضاء المبادرة وصناعة المستقبل. لقد كانت لحظة تفكير خارج الأطر التقليدية السائدة آنذاك، وانفتاحاً على أفق حضاري جديد يتجاوز العصبيات والانقسامات، ويؤسس لمجتمع قوامه القيم المشتركة والكرامة الإنسانية.
وعندما وصل الرسول صلى االله عليه وسلم إلى المدينة لم يبدأ ببناء سلطة أو فرض هيمنة بل بدأ ببناء المجتمع. وهنا تكمن عبقرية التجربة، إذ إن المشروع الحضاري الإسلامي لم ينطلق من السيطرة على الناس بل من تنظيم العلاقة بينهم، ولم يبدأ بإخضاع المكونات المختلفة بل بإيجاد إطار جامع يحفظ حقوقها ويحدد واجباتها ويؤسس لمستقبل مشترك.
في هذا السياق جاءت «صحيفة المدينة» التي تُعدّ من أبرز الوثائق السياسية والاجتماعية في التاريخ. فقد شكّلت عقداً اجتماعياً مكتوباً شاركت في صياغته مكونات المجتمع المختلفة، ونظّمت العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، وحدّدت الحقوق والواجبات المشتركة، وأرست مبادئ الدفاع عن الوطن المشترك، والاحتكام إلى القانون واحترام التنوّع الديني والثقافي.
لقد قدّمت صحيفة المدينة مفهوماً متقدماً للوطن باعتباره مساحة جامعة للمواطنين، لا مجرد رابطة قبلية أو عرقية أو دينية ضيقة. كما أرست فكرة الدولة القائمة على الشراكة والمسؤولية المشتركة لا على الإقصاء والاحتكار. ومن هذه الزاوية يمكن اعتبار المدينة المنورة أول تجربة ناجحة في المنطقة لبناء مجتمع سياسي تعددي ضمن إطار قانوني جامع.
ومن أهم الدروس الحضارية التي تقدمها الهجرة قدرتها على تحويل التنوّع من مصدر صراع إلى مصدر قوة. فالمجتمع الذي بناه الرسول صلى االله عليه وسلم لم يكن مجتمعاً أحادي اللون أو الفكر أو الانتماء كما كان شأن كثير من الإمبراطوريات القائمة على الغلبة العسكرية بل كان مجتمعاً متنوّعاً في أصوله وثقافاته وانتماءاته الدينية والاجتماعية. غير أن هذا التنوّع لم يُنظر إليه باعتباره تهديداً للوحدة بل اعتُبر مصدر غنى حضاري ينبغي تنظيمه ضمن إطار من العدالة والمواطنة والشراكة.
وهذه الفكرة تحديداً تشكّل اليوم إحدى الركائز الأساسية للنظم الديمقراطية الحديثة التي تقوم على إدارة التنوّع لا إلغائه وعلى بناء الوحدة من خلال احترام الاختلاف لا عبر فرض التشابه.
وفي ضوء هذه المعاني تبدو الحاجة ملحّة في لبنان إلى إعادة قراءة تجربة الهجرة باعتبارها مشروعاً لبناء الدولة والمجتمع لا مجرد مناسبة دينية عابرة. فلبنان عانى خلال العقود الماضية من تغليب منطق الامتيازات والمحاصصات على منطق المواطنة والمؤسسات ومن تقديم الولاءات الفرعية على المصلحة الوطنية الجامعة. وكانت النتيجة تراجع الثقة بالدولة وضعف مؤسساتها وتعاظم الانقسامات التي استنزفت قدرات المجتمع وأعاقت إمكاناته.
إن الدرس الأبرز الذي تقدمه الهجرة للبنان اليوم هو أن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالقوة المجردة، ولا بتوازنات المصالح المؤقتة، ولا بالانعزال القسري عن امتداده العربي وتكامله الحضاري، ولا بالأيديولوجيات البيولوجية الوهمية بل بعقد اجتماعي عادل يشعر في ظله كل مواطن بأنه شريك كامل في الوطن والدولة.
فلبنان لا يحتاج إلى مزيد من الانقسامات بل إلى مشروع وطني جامع يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة على قاعدة العدالة والكرامة وتكافؤ الفرص وسيادة القانون والانفتاح الواعي والمسؤول.
لقد جمع نموذج الهجرة بين خصوصية المجتمع المحلي وأفق الأمة الرحب. فلم يُلغِ الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للمكونات المختلفة لكنه ربطها جميعاً بمشروع حضاري جامع يتجاوز الحدود الضيقة. وهذا ما يجعل هذه التجربة قابلة للاستلهام في عالمنا المعاصر. فكما نجحت المدينة المنورة في بناء وحدة قائمة على التنوّع استطاعت تجارب حديثة عديدة ومنها الاتحاد الأوروبي أن تؤسس أطراً تكاملية تحترم خصوصيات مكوناتها ضمن منظومة قانونية وقيمية مشتركة.
إن التحدّي الحقيقي أمام مجتمعاتنا لا يكمن في وجود الاختلاف بل في كيفية إدارة هذا الاختلاف ضمن مشروع حضاري جامع يحفظ الحرية ويصون الكرامة ويعزز التعاون بين الشعوب.
إن إحياء ذكرى الهجرة لا يكون باستعادة أحداث الماضي فحسب بل بتحويلها إلى مصدر إلهام لبناء المستقبل. فهي تعلّمنا أن التحوّلات الكبرى تبدأ بفكرة، وأن بناء الحضارات يبدأ ببناء الإنسان، وأن المجتمعات القادرة على تجاوز أزماتها هي تلك التي تمتلك الشجاعة لمراجعة نفسها وإعادة تنظيم علاقاتها على أسس أكثر عدالة وإنسانية.
لقد نقلت الهجرة البشرية من منطق العصبية إلى منطق المواطنة، ومن الولاء للأشخاص إلى الولاء للمبادئ، ومن هيمنة الامتيازات إلى سيادة القانون، ومن الصراع على النفوذ إلى التنافس في خدمة الإنسان وعمران الأرض. ولهذا ستبقى الهجرة النبوية مدرسة حضارية مفتوحة، ورسالة متجددة لكل الشعوب الساعية إلى بناء دول عادلة، ومجتمعات متماسكة ومستقبل أكثر إنسانية.
وفي زمن الأزمات والتحوّلات الكبرى، ربما يكون الدرس الأهم الذي تقدمه الهجرة لنا جميعاً أن النهضة لا تبدأ من تغيير الحكومات فحسب بل من إعادة بناء الفكرة التي يقوم عليها المجتمع. من الانتقال الدائم من ضيق العصبيات إلى رحابة المواطنة ومن تقديس الأشخاص إلى احترام الرسالة، ومن الانقسام إلى الشراكة، ومن الفوضى إلى العمران الحضاري. إنها ذكرى الهجرة بمعانيها المتجددة ودعوة مفتوحة لمراجعة الذات واستلهام دروس التاريخ لصناعة مستقبل أكثر عدلاً وإنسانية.
كل عام وأنتم وأوطاننا بألف خير.