شكّل قرار ولي عهد المملكة العربية السعودية، الأمير محمد بن سلمان، بفتح الحدود والسوق السعودية أمام الصادرات اللبنانية، نقطة تحوّل استراتيجية تؤسس لإعادة لبنان إلى صدارة الأولويات العربية، ووضعه تحت شبكة الأمان والضمانة السعودية. وفي هذا السياق، تأتي زيارة الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت، برفقة السفير فهد الدوسري، كترجمة عملية ومباشرة لهذا القرار؛ وتوجيه مباشر من ولي العهد، وهي خطوة تحمل دلالات عميقة تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي التقليدي، لتؤكد بدء مرحلة جديدة من المراجعة الشاملة لطريقة تعامل الرياض مع الملف اللبناني، ودعمه على المستويات كافة.
• من المراقبة المشروطة إلى الشراكة الفاعلة
اعتمدت الرياض، خلال السنوات الماضية، سياسة حذرة قوامها رسائل سياسية ودعم مشروط، نتيجة تراجع ثقتها بقدرة المؤسسات اللبنانية على تنفيذ الإصلاحات وحماية القرار السيادي. لكن المؤشرات الحالية تعكس انتقالاً من موقع المراقب إلى موقع الشريك الفاعل، فقرار إعادة فتح الأسواق لا يمكن فصله عن الزيارات المتكررة للمسؤولين السعوديين والحضور المتنامي في الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، فضلاً ان تعيين سفير جديد للمملكة في بيروت، لمواكبة المرحلة بمقاربة مختلف عن المرحلة السابقة.
الفارق الجوهري عن تجارب الماضي هو أن الدعم لن يكون مفتوحاً أو غير مشروط، بل مرتبطاً بقيام دولة قادرة على اتخاذ القرار، وتنفيذ الإصلاحات، واستعادة ثقة المحيطين العربي والدولي.
• بعبدا: المرجعية السيادية الثابتة
منذ انتخاب الرئيس جوزاف عون، بنت الرياض علاقة ودّ معه، حتى بات نمطاً ثابتاً أن لقاءات الأمير يزيد تبدأ من بعبدا وتنتهي فيها في كل زيارة. هذا التواصل يمتد إلى تنسيق لوجستي وسياسي دائم مع المستشار الرئاسي الأول العميد أندريه رحال، حول ملفات مفصلية: المفاوضات المباشرة، العلاقة مع حزب الله، وتنسيق العمل بين الرؤساء الثلاثة.
هذه القناة المباشرة مع الرئاسة الأولى تعكس رغبة سعودية واضحة في إبقاء رئاسة الجمهورية مرجعية أساسية للتفاهمات السعودية - اللبنانية، بعيداً عن تشتت القرار بين مراكز السلطة المختلفة؛ وهو خيار يحمل في طياته رسالة ضمنية حول الجهة التي تفضّل الرياض التعامل معها كمحاور أول.
• عين التينة: مفتاح أي تسوية وضامن استمرار الحكومة
من وجهة النظر السعودية البراغماتيكية، أن رئيس مجلس النواب نبيه بري لا يزال الحلقة الأكثر تأثيراً في أي تسوية داخلية، سواء بحكم موقعه الدستوري أو بصفته الجهة القادرة على التواصل مع مختلف القوى السياسية، وفي مقدمتها حزب الله. ويصعب تصور أي تفاهم داخلي أو حتى إقليمي يخص لبنان من دون المرور عبر عين التينة.
تتبنّى الرياض حالياً مقاربة «الواقعية السياسية»، وتحرص على تمتين أواصر التعاون الرئاسي الثلاثي بين عون وبري وسلام. وفي هذا السياق، تنظر المملكة بإيجابية إلى دور بري في حماية حكومة رئيس الوزراء نواف سلام وتوفير الغطاء السياسي لها. فهذه الحكومة بات يُنظر إليها في بيروت كصمام أمان يُفترض الحفاظ عليه، كشرط أساسي لضمان تدفق أي مساعدات دولية مستقبلية، واستقرار القرار الرسمي في مواجهة الضغوط الخارجية.
كذلك، فإن المملكة تدرك جيداً حالة «الأحباط» التي تعتري الرئيس بري، جراء ما تسببت به همجية آلة الدمار العسكرية من تدمير ونسف لكل الإنجازات الاعمارية والإنمائية التي حققها بري للقرى الجنوبية طيلة اربعين عاماً، بفعل عمليات الجرف والنسف والاقتلاع الممنهج التي يعتمدها العدو الاسرائيلي، على قاعدة سياسة الأرض المحروقة.
وعليه، فإن الرياض تحرض من خلال التواصل مع بري على ربط أي تسوية لوقف اطلاق النار في لبنان، مع اطلاق خطة عملاقة لاعادة الإعمار، كجرعة معنويات من شأنها أن تعزز وتحصن دوره التفاوضي كوسيط مع حزب الله.
• حكومة سلام واتفاق الطائف: ثابتان في المعادلة السعودية
إلى جانب حرص الرياض على حماية حكومة نواف سلام كصمام أمان سياسي، تنظر المملكة إلى رئيس الحكومة نفسه وفريقه كأحد الثوابت التي تشكّل ركائز التوازن الوطني الداخلي الذي تسعى لترسيخه. فالتمسّك باستمرار هذه الحكومة ينبع من قناعة سعودية أعمق بأن وجود حكومة قادرة على العمل المؤسسي شرط لازم لأي استقرار يمكن البناء عليه.
هذه القناعة ترتبط بدورها بثابت أكبر تتبنّاه الرياض، وهو اعتبار اتفاق الطائف الضمانة الوحيدة المتاحة حتى الآن لوحدة لبنان. فالمملكة، التي كانت راعية لهذا الاتفاق منذ توقيعه، لا تزال تنظر إليه كصيغة التوازن الدستوري التي تحفظ التعايش بين مختلف المكونات اللبنانية، وتمنع انزلاق البلاد إلى صراعات الهيمنة أو التهميش بين الطوائف والقوى السياسية.
من هذا المنظور، فإن أي حراكا سعوديا، سواء على مستوى الدعم الاقتصادي أو الغطاء السياسي أو القنوات الخلفية مع الأطراف المختلفة يصبّ في النهاية في خدمة هذا الإطار، أي حماية الصيغة التي يقوم عليها لبنان كدولة تكامل وتعايش، لا كدولة غلبة لفريق على آخر. وهذا ما يفسر إصرار الرياض على التعامل مع الرؤساء الثلاثة معاً كمنظومة متكاملة، بدل التعويل على طرف واحد على حساب الباقين، بما يعكس رؤية سعودية حكيمة وعاقلة وسديدها، مفادها أن أي اختلال في هذا التوازن الثلاثي قد يهدد الصيغة اللبنانية بأكملها، لا فريقاً سياسياً بعينه فقط، وذلك وفقاً لما نص عليه الدستور من التعاون والفصل بين السلطات.
• حماية سيادة الموقف التفاوضي
في قراءة متأنّية لخلفيات الحراك اللبناني الراهن، يتضح أن السباق الدبلوماسي المحموم لتأمين توافق رسمي حول خطة متكاملة لوقف إطلاق النار، لا ينفصل عن شبكة الأمان العربية التي تقودها المملكة العربية السعودية. فالجهد اللبناني الهادف إلى سحب «الورقة اللبنانية» وحرمان بنيامين نتنياهو من استغلال الساحة المحلية كذريعة لتفجير المنطقة أو نسف مساعي التهدئة الإقليمية، يتقاطع كلياً مع المقاربة السعودية الحذرة والمسؤولة.
وتؤكد المعطيات الدبلوماسية أن المواكبة السعودية الحثيثة للاجتماعات اللبنانية المكثفة لا تستهدف مجرد صياغة تسوية مؤقتة، بل تنطلق من رؤية استراتيجية أوسع تعارض بحسم أي تسرّع غير محسوب في إبرام اتفاقات منفردة أو مبتورة مع إسرائيل. هذه القراءة تنبع من ثبات الموقف السعودي الرافض لأي قفز فوق الأصول الثابتة للحل الشامل، وهي السياسة التي تجد جذورها في «مبادرة السلام العربية» التي انطلقت من قمة بيروت التاريخية عام 2002. إن الإصرار المشترك على صياغة «إطار عملي» متوافق عليه رسمياً يعكس رغبة في إقفال كل المنافذ أمام المناورات الإسرائيلية، مع التمسّك بالشرعية العربية والدولية كمرجعية وحيدة لأي اتفاق، بما يضمن لبلاد الأرز حلاً مستداماً يحمي سيادتها، ويمنع تحويلها إلى صندوق بريد لتبادل الرسائل الإقليمية، بعيداً عن أوهام الصفقات السريعة التي لا تصنع سلاماً حقيقياً.
• الروافع الاقتصادية: من التوجيه الملكي إلى التطبيق الميداني
في مقابل الغطاء السياسي والأمني الذي توفره الرياض، جاء التوجيه الملكي بفتح الأسواق السعودية أمام الصادرات اللبنانية كرافعة اقتصادية مباشرة، تمنح بيروت أوراق قوة تفاوضية إضافية في واشنطن. هذه الخطوة لم تكن مجرد بادرة حسن نية رمزية، بل وُضعت حيز التنفيذ عبر آليات مشتركة بإشراف الملحقية التجارية والجمارك، لضمان استئناف تدفق المنتجات الزراعية والصناعية اللبنانية وفق معايير رقابية صارمة تمنع عمليات التهريب.
وتكشف هذه المعادلة غطاء سياسي وانفتاح اقتصادي، عن مقاربة سعودية متكاملة: لا يمكن مطالبة لبنان بتقديم التزامات أمنية وسياسية كبرى دون تأمين مقومات صموده الداخلي أولاً، والحد من وطأة الانهيار المعيشي الذي يغذّي حالة عدم الاستقرار.
• اختبار القوى الداخلية
أمام هذا التحرك السعودي المتكامل، تقف القوى السياسية اللبنانية أمام اختبار مباشر لقدرتها على ترجمة الانفتاح الخارجي إلى إنجازات داخلية ملموسة. فالمعادلة التي ترسمها الرياض واضحة: الدعم متاح ومتدرج، لكنه مشروط بثلاثية الحفاظ على الترويكا الرئاسية متماسكة، وحماية حكومة سلام من أي اهتزاز، وإحراز تقدم فعلي في ملفي الإصلاح وحصر السلاح بيد الدولة، بما يحفظ صيغة الطائف التي تراها الرياض الإطار الجامع لكل ما سبق.
التلكؤ في تحقيق هذه الشروط، أو الانزلاق إلى صراعات داخلية بين مراكز القوى، قد يعني تراجع وتيرة الانفتاح السعودي وعودته إلى نمط الحذر السابق - وهو سيناريو تدركه الأطراف اللبنانية كافة، لكن التجربة التاريخية تُظهر أن إدراك المخاطر لا يكفي دائماً لتفادي تكرارها.