رغم اختلافنا مع توجهات حزب الله الوطنية والإقليمية، إلا أن إيماننا بوحدة المسار والمصير بين أبناء الوطن الواحد، لا بد لنا من التأكيد على أنه مهما بلغت حدة الخلافات بين اللبنانيين حول الخيارات السياسية والاستراتيجية، ومهما تباينت مواقف المكونات السياسية اللبنانية من دور حزب الله والتعارض بين انتمائه الوطني وولائه لإيران، فإن ذلك لا يجوز أن يحجب حقيقةً ثابتةً لا تحتمل التأويل أو المساومة، وهي أن ما يتعرض له لبنان من اعتداءاتٍ إسرائيليةٍ فظيعة، تنطبق عليها توصيفاتٌ لأبشع أنواع جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية، تنطوي على انتهاكاتٍ صارخةٍ لمختلف المواثيق الدولية ولأبسط القيم الإنسانية.
وإن كان معظم اللبنانيين يختلفون مع حزب الله في مقاربته لمسألة السلاح، وفي ربطه للساحة اللبنانية بصراعاتٍ ومحاور إقليمية، أدت إلى زج لبنان في مواجهاتٍ خارجيةٍ كان بالإمكان تجنبها أو إدارة تداعياتها بصورةٍ مختلفة، إلا أن هذا الخلاف ينبغي ألا يتحول إلى مبررٍ للصمت عن الجرائم التي يرتكبها العدو الإسرائيلي بحق المدنيين والأبرياء، ولا أن يخفف من مسؤولية المجتمع الدولي عن تقاعسه المستمر عن وضع حدٍ لعنجهية الإسرائيلية التي تتخذ من تباين المواقف ما بين الدولةٍ والحزب ذريعةً للتنكيل بأهلنا في الجنوب وغيره.
إن ما يجري على مرأى ومسمعٍ من العالم أجمع، سواء في فلسطين أو في لبنان، لا يمكن تسميته بمواجهةٍ عسكريةٍ بين أطرافٍ متنازعة، بل يشكل وصمة عارٍ على جبين البشرية جمعاء، لأنه يكشف مقدار العجز الذي أصاب المؤسسات الدولية، ويفضح ازدواجية المعايير التي تحكم النظام الدولي المعاصر، ويعري حالة الوهن التي أصابت الموقف العربي في لحظةٍ تاريخيةٍ فائقة الحساسية. كما أن التسرع في الاندفاع نحو مسارات التطبيع من دون معالجة جذور الصراع وإنهاء الاحتلال وضمان الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، لا يسهم في تحقيق سلامٍ مستدام، بقدر ما يبعث برسائل خاطئةٍ توحي بأن منطق القوة قادرٌ على فرض أمرٍ واقعٍ بمعزلٍ عن مقتضيات العدالة والحق.
وانطلاقاً من هذه المسلمات، يصبح من الواجب البحث عن كيفيةٍ لإدارة الصراع مع العدو الإسرائيلي، بعيداً عن منطق التخوين المتبادل والتزمت في الخيارات والإصرار على تبني مواقف حادة تجاه بعضنا البعض. وذلك على نحوٍ يضمن حماية لبنان وصون مصالحه الوطنية العليا وتعزيز قدرته على مواجهة الأخطار المحدقة به.
لبناننا اليوم في مخاضٍ عسير تتجاوز مخاطره حدود المواجهة العسكرية المباشرة مع إسرائيل، لتطال جوهر قدرته على إدارة الصراع بما يحفظ مصالحه الوطنية العليا ويصون وحدته الداخلية. فالتحدي الحًقيقي الذي يواجهه اللبنانيون لا يقتصر على تحديد موقفهم من العدو الإسرائيلي، إذ ثمة إجماعٌ وطنيٌ على توصيف إسرائيل باعتبارها دولة احتلالٍ وعدوان، بل يتعدى ذلك ليطال غياب رؤيةٍ وطنيةٍ موحدةٍ تحدد كيفية إدارة هذا الصراع وأدواته وحدوده وأهدافه والجهة المخولة اتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة به.
تفيدنا التجارب التاريخية بأن الانقسامات الداخلية حول الخيارات الاستراتيجية لا تقل خطورةً عن التهديدات الخارجية ذاتها، لأن الدولة التي تتعدد فيها مراكز القرار تفقد تدريجيًا قدرتها على توظيف عناصر قوتها الوطنية ضمن مشروعٍ متكامل، وتصبح أكثر عرضةً للاستنزاف ولتأثير الحسابات الإقليمية والدولية. ومن هنا نرى أن جوهر الأزمة اللبنانية لا يتمثل فقط في استمرار الصراع مع إسرائيل، بل في غياب مرجعيةٍ وطنيةٍ جامعةٍ تملك صلاحية اتخاذ القرار باسم الدولة والمجتمع بكل مكوناته، بما يضمن انسجام الخيارات العسكرية والسياسية والدبلوماسية مع المصالح الوطنية العليا.
وليس بخافٍ على أحد أن اللبنانيين يختلفون حول الوسائل الأنسب لمواجهة التحديات الإسرائيلية. فثمة من يرى في المقاومة المسلحة وسيلةً ضروريةً للردع والدفاع عن الحقوق الوطنية، وثمة من يعتبر أن الأولوية يجب أن تعطى للمسارات الدبلوماسية والقانونية والدعم الدولي، فيما يدعو آخرون إلى الجمع بين مختلف الأدوات ضمن استراتيجيةٍ متكاملة. غير أن التعدد في الرأي ينبغي ألا يشكل بحد ذاته مشكلة، لأن المشكلة تتأتى من تحول الخيارات المتباينة إلى مراكز قرارٍ مستقلةٍ تتخذ قرارات الحرب أو التهدئة أو التصعيد أو التفاوض بمعزلٍ عن المؤسسات الدستورية الجامعة.
إن حسن إدارة الصراع مع عدوٍ يتفوق على لبنان عسكرياً وتكنولوجياً واقتصادياً ويحظى بغطاءٍ غربي يقتضي أعلى درجات التنسيق الوطني، ويستوجب توظيف جميع عناصر القوة الوطنية ضمن رؤيةٍ استراتيجيةٍ موحدة، لأن نجاح أية دولةٍ في مواجهة الأخطار الخارجية يرتبط بقدرتها على توحيد قرارها السياسي قبل أي شيءٍ آخر. فالتاريخ يعلمنا أن القوة لا تقاس فقط بما تملكه الدول من إمكانات، بل بقدرتها على حسن إدارة هذه الإمكانات وتوجيهها نحو أهدافٍ واضحةٍ تحظى بشرعيةٍ وطنيةٍ جامعة.
ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحةً إلى اعتماد آليةٍ وطنيةٍ ملزمةٍ لاتخاذ القرار في القضايا المرتبطة بالحرب والسلم والأمن القومي، بحيث تكون القرارات المصيرية نتاج إرادةٍ وطنيةٍ مشتركةٍ تتحمل مسؤوليتها الدولة بمؤسساتها الدستورية، لا نتيجة تعدد المرجعيات وتباين الأولويات وتضارب الحسابات.
إن بناء مثل هذه الآلية يشكل المدخل الطبيعي لأية استراتيجيةٍ دفاعيةٍ وطنيةٍ جدية، تسمح بتسخير مختلف عناصر القوة المتاحة للبنان ضمن منظومةٍ متكاملةٍ تخضع للقرار السياسي الوطني، وتحدد بصورةٍ واضحةٍ الأهداف المراد تحقيقها والوسائل المشروعة لتحقيقها والضوابط الناظمة لاستخدام القوة.
وفي موازاة ذلك، يبقى من الضروري تفعيل الأدوات الدبلوماسية والقانونية والدولية الهادفة إلى إنهاء الاحتلال القائم للأراضي اللبنانية المتبقية، ووضع حدٍ للانتهاكات المتكررة للسيادة الوطنية، وتأمين الضمانات اللازمة لحماية لبنان من الاعتداءات المستقبلية. غير أن فعالية أي جهدٍ خارجي تبقى مرتبطةً أولاً بمدى قدرة اللبنانيين على إنتاج موقفٍ وطني موحدٍ يعبر عن الدولة لا عن تعدد الساحات والمحاور.
وعليه، لا بد من التأكيد مجدداً على أن الدعوة إلى توحيد القرار الوطني لا تنطلق من التسليم بالأمر الواقع الذي تحاول إسرائيل فرضه علينا، ولا من التقليل من حجم التضحيات التي قدمها اللبنانيون في مواجهة الاعتداءات المتكررة، كما أنها لا تعني غض الطرف عن الجرائم التي ترتكب بحق المدنيين وعن الدمار الذي يلحق بالقرى والبلدات والبنى التحتية. فمهما اختلف اللبنانيون مع حزب الله في خياراته الإقليمية أو في مقاربته لإدارة الصراع أو في زج لبنان بمحاور ومواجهاتٍ كان من الممكن تجنبها، يبقى ما يقوم به العدو الإسرائيلي وصمة عارٍ على جبين البشرية، ودليلاً إضافياً على عجز النظام الدولي عن فرض احترام القانون والعدالة.
غير أن الإدراك العميق لهذه الحقيقة يجب أن يقودنا إلى استخلاص نتيجةٍ وطنيةٍ جامعةٍ مفادها أن مواجهة العدوان لا تكون بإضعاف الدولة أو بتعدد مراكز القرار، بل ببناء دولةٍ قويةٍ تمتلك وحدها شرعية القرار وقدرة الفعل وتحظى بالتفاف جميع أبنائها حولها. فحسن إدارة الصراع مع العدو لا يكون بتنازع الإرادات بين الدولة وأيٍ من مكوناتها، بل بقيام إرادةٍ وطنيةٍ واحدةٍ تجمع اللبنانيين حول هدف حماية الوطن وصون سيادته والدفاع عن حقوقه المشروعة، تحت سقف الدولة ومؤسساتها الدستورية، وبقرارٍ وطنيٍ موحدٍ يلتزم به الجميع.