بيروت - لبنان

اخر الأخبار

19 أيار 2026 12:30ص سيادة معلَّقة وسلاح مؤجَّل: مأزق لبنان المقبل

حجم الخط
وقف إطلاق النار الذي أفضت إليه الجولة الثالثة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، التي عُقدت يوميّ 14 و15 مايو/أيار برعاية أميركية، لا يبدو مرشحاً لأن يكون أكثر رسوخاً أو هدوءاً من سابقاته، رغم محاولات تصويره باعتباره الممر الحتمي لإخراج لبنان من دوامة الإعتداءات الإسرائيلية وعمليات تجريف القرى. فالجميع يدرك أن إلزام إسرائيل بوقف عدوانها لا يمكن أن يتحقق عبر تفاهمات هشة أو رهانات ظرفية، بل يتطلب مقاربة جديدة تقوم على بناء قناعة راسخة لدى واشنطن بأن الدولة اللبنانية قادرة فعلياً على بسط سيادتها الكاملة على كامل أراضيها.
تؤكد الوقائع الميدانية أن وقف إطلاق النار لا يشمل عملياً كلاً من إسرائيل وحزب الله ، وأن الخط الأحمر لم يعد عند الحدود التي رُسّمت له، فيما تجاوز «الخط الأصفر» ـــ الذي بات يرمز إلى مساحة السيطرة الإسرائيلية بالنار ـــ نهر الليطاني، ممتداً إلى قرى في قضائي صيدا والزهراني. وتجدر الإشارة إلى أن بيان الخارجية الاميركية ، كما بيان الوفد اللبناني المفاوض عقب اجتماعي 14 و15 مايو/أيار، لم يتطرقا إلى أي إجراءات عملية لوقف الغارات على القرى أو حتى خفض حدّتها وكثافتها، بل أرجآ البحث التفصيلي في آليات تنفيذ وقف الأعمال العدائية إلى اجتماع العسكريين المقرر في 29 مايو/أيار.
يوصّف بيان الرئاسة اللبنانية، بدقة ولكن بقدر كبير من الحذر والباطنية السياسية، احتمالات النجاح في الجولات المقبلة، كما يضيء في الوقت نفسه على مخاطر عدم التقاط الفرصة المتاحة. وإذ يشير البيان إلى «مسار أمني برعاية أميركية»، فهو يقرّ ضمناً بإخفاق الترتيبات السابقة، ويتمسّك في المقابل بآلية تنفيذ مرحلية وقابلة للتحقق، مدعومة بضمانات أميركية، بما يضمن تنفيذ جميع الإلتزامات من دون المساس بالسيادة اللبنانية. ويضيف البيان أن «الأطراف ستلتزم مراجعة التقدّم المحرز بهدف تمديد وقف إطلاق النار لفترة إضافية، في حال أسفرت مسارات التفاوض عن نتائج إيجابية». وفي ذلك ما يتجاوز توصيف المسار التفاوضي إلى توجيه تحذير واضح إلى حزب االله، وإلى سواه ممن يراهنون على توسيع هامش تفسير مبدأ حصرية السلاح، أو على ربط تثبيت وقف إطلاق النار بمآلات المفاوضات الأميركية–الإيرانية.
إن التوصل إلى وقف إطلاق نار شامل، بالمعنى الذي يسعى إليه رئيس الجمهورية جوزاف عون ، يبقى رهناً بما ستفضي إليه نتائج المسار الأمني بين لبنان وإسرائيل، المرتقب إطلاقه في 29 من الشهر الجاري في مقر وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون). تفترض واشنطن أن هذا المسار قد يقود إلى تفكيك البنية العسكرية لحزب الله وفق خطة مرحلية، بالتوازي مع إعادة تعريف دور الجيش اللبناني وإنشاء آليات تنسيق أمني مباشر بإشراف أميركي. في المقابل، ترى واشنطن أن الآلية المقترحة ليست سوى نسخة أكثر مرونة وفاعلية من «آلية الميكانيزم» التي تمسّك بها رئيس مجلس النواب نبيه بري خلال معارضته السابقة لمقترح التفاوض المباشر.
وفي هذا السياق، يبدو أن المسار السياسي المقرر انطلاقه يوميّ 2 و3 حزيران/يونيو برعاية وزارة الخارجية الأميركية سيبقى خاضعاً إلى حدّ كبير لنتائج المسار الأمني، الذي يشكّل ممراً إلزامياً لانتزاع موافقة إسرائيل على وقف دائم لإطلاق النار، والانسحاب من الأراضي التي تحتلها، وفتح الباب أمام إعادة الإعمار وعودة الأسرى. في المقابل، فإن أي تعثر في هذا المسار سيمنح إسرائيل هامشاً أوسع من حرية العمل العسكري، بما يعني توسيع نطاق هجماتها نحو مزيد من العمق اللبناني، واستمرار عمليات الإغتيال وتجريف القرى.
وتعتبر إسرائيل أن هذا التصعيد يشكّل الوسيلة الأكثر فاعلية للضغط على لبنان، وتهديد ما تبقّى من تماسك داخل البيئة الجنوبية الحاضنة لكل من حزب الله ورئيس مجلس النواب نبيه بري، بما قد يفضي في نهاية المطاف إلى فرض جملة من الإستحقاقات بالقوة القاهرة.
تتبع مقاربة حزب الله لملف وقف إطلاق النار، كما يعبّر عنها رئيس مجلس النواب نبيه بري، المنهجية نفسها التي تحكم المقترحات الإيرانية المطروحة في مسار التفاوض مع واشنطن. ففي الوقت الذي تسعى فيه طهران إلى توظيف نتائج المواجهة مع الولايات المتحدة لتحسين شروط نفوذها الإقليمي على حساب الدول المجاورة  سواء عبر طرح مسألة السيادة على مضيق هرمز  أو عبر محاولة استدراج واشنطن إلى صيغة شراكة ضمنية في التحكم بالمضيق بما يتعارض مع قواعد القانون الدولي  يذهب الحزب، عبر بري، إلى إعادة إنتاج معادلة تقوم على تقديم تنازلات سيادية للولايات المتحدة وإسرائيل مقابل الإبقاء على سلاحه.
أليس هذا ما حصل في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية، من خلال التنازل عن رأس الناقورة ؟ وأليس هذا ما تكرّس أيضاً في اتفاق 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، حين مُنحت إسرائيل عملياً حرية أوسع للعمل داخل لبنان، بما جرى توظيفه لاحقاً كمبرر للإبقاء على السلاح؟ ولا يبدو موقف بري الأخير بعيداً عن هذا السياق، وهو يدرك تماماً أن استعادة الأراضي المحتلة وتأمين انسحاب إسرائيل لا يرتبطان بمجرد الالتزام بوقف إطلاق النار، بل بتقديم تعهّد واضح من حزب الله بتسليم سلاحه.
تبدو التقاطعات بين تحالف بري/حزب الله مع طهران أعمق بكثير من تقاطعاتهما مع مفهوم السيادة اللبنانية ومشروع الدولة. ومع التعثر المتوقع في مسار المفاوضات الأميركية – الإيرانية، يبدو لبنان المربك أمام جدلية حصرية السلاح واستعادة السيادة  مقبلاً على دفع أثمان باهظة لتحقيق الفصل بين الساحات، في وقت تتداخل فيه الاستحقاقات الإقليمية مع هشاشة الداخل اللبناني بصورة غير مسبوقة.

* مدير المنتدى الإقليمي للدراسات والإستشارات