20 شباط 2026 12:05ص مناعة وإنتاجية الاقتصاد

حجم الخط
يحتاج الاقتصاد اللبناني الى المزيد من المناعة حتى يستطيع مواجهة التغيرات الكبيرة في المنطقة كما داخليا.  سيكون المستقبل أخطر لنا مع تحديات كبرى ليس فقط في السياسة وانما في الاقتصاد والديموغرافيا وبقية الأمور الاجتماعية. مناعة الاقتصاد اللبناني ضعيفة والتردد في اتخاذ وتنفيذ قرارات مهمة يؤثر سلبا على وضعنا. كما أن انتاجيتنا الاقتصادية هي في مستويات متدنية مما يعيق عمليات التقدم القطاعية كما العامة.  هنالك قول معروف في الاقتصاد وهو أن الحكومات تأخذ عموما قرارات خاطئة أو متسرعة في الأوقات الصعبة، منها مثلا سابقا قرار عدم تسديد الديون الخارجية اللبنانية دون أي توافق مع المقرض.  تقوية المناعة كما رفع الانتاجية يعتمدان على حسن اختيار مجموعة من المسؤولين كما على اعتماد تشكيلة من السياسات الاقتصادية «الذكية».
في كتابهما حول «تاريخ السياسة النقدية في الولايات المتحدة» يقول الاقتصاديان «فريدمان» و «شوارتز» أن أزمة 1929 تحولت من ركود بسيط الى كارثة اقتصادية بسبب المصرف المركزي الذي ترك خطأ الكتلة النقدية تنخفض وبالتالي سقط الاقتصاد الأميركي ومعه العالمي.  تعيين «كيفين وورش» في حاكمية المصرف المركزي تبعا لتاريخه المهني لا يؤشر الى حسن الاختيار بل الى اضافة وجه عقائدي جديد يكمل المجموعة الادارية الحاكمة.  طبعا يجب أيضا على التحقيقات بشأن تكلفة ترميم مبنى المصرف المركزي في واشنطن أن تستمر وأن تحسم هل هنالك اهمال أم سرقة بمليارات الدولارات.
قبل أزمة 1929 لم تكن هنالك سياسات اقتصادية عامة تعزز الاستقرار. كانت النظريات تقول ان الاقتصاد يتألف من مجموعة أسواق فرعية يرتفع بعضها وينخفض بعضها الآخر، فتبقى الأوضاع الاقتصادية العامة مستقرة لذا لا حاجة لتدخل الحكومة في الاقتصاد.  بعد أزمة 1929، بدأت النظريات الكلية بالظهور بدأ من كينز Keynes الى العديد من الاقتصاديين الكبار.  بدأ الاقتصاديون تأليف نظريات الدورة الاقتصادية التي تتكون من مراحل نهوض وركود وبالتالي وجب وضع سياسات اقتصادية مناسبة تكافح التضخم في مرحلة النهوض وتخفض البطالة في فترة الركود.  تطورت سياسات تحقيق الاستقرار الاقتصادي وتوسعت وتفرعت، فأصبحنا نتكلم عن سياسات صناعية وزراعية وخدماتية بل عن سياسات مالية ونقدية وغيرها.
يمر لبنان في ظروف صعبة خاصة منذ العدوان الاسرائيلي. كان يجب وضع الحد الأدنى من التحضيرات تجنبا للكثير من الخسائر التي تتراكم.  بسبب دقة الأوضاع لا بد من وضع سياسات جديدة صحيحة تساهم في تقوية مناعة الاقتصاد.  يجب ابعاد المصالح السياسية عن القرارات الاقتصادية حتى تكون صائبة لمصلحة المواطن.  لا يمكننا تحمل سياسات عشوائية تعمق المشاكل وتزيد الشرخ بين القطاعين العام والخاص.  هنالك ضرورة أيضا لمراجعة دور الدولة في الاقتصاد والتنبه للسياسات الموضوعة خاصة أن هنالك دائما فاصل زمني طويل بين تحديد السياسة وتنفيذها وثم تقييم تأثيرها على الاقتصاد.  في لبنان، يجب مراجعة العديد من السياسات الاقتصادية للمصلحة العامة.
في السياسة المالية، المهم النظر في محتوى الانفاق والايرادات للتأكد من أنها تناسب الأوضاع الاقتصادية والادارية.  يجب تحليل الانفاق وفعاليته قبل الشروع في تخفيضه، أي وقف الهدر وترشيد الانفاق.  عندها يمكن تحديد مجموع الانفاق العام الأفضل والضروري للدولة.  عندها أيضا تبدأ وزارة المالية بتحديد التشكيلة الضرائبية الفضلى التي تسمح بتمويل مستوى الانفاق.  يمكن تحريك الانفاق والايرادات عند الضرورة لمواجهة بعض الظروف الطارئة شرط تقييم النتائج المحتملة أولا.  حجم الموازنة الحالية لا يسمح للحكومة بخدمة المواطن والاقتصاد، لذا لا بد من انتظار الاستثمارات التي تساهم في تكبير حجم الاقتصاد وبالتالي الموازنة.
في السياسة النقدية، سيدافع مصرف لبنان عن سعر الصرف الحالي مهما كانت الظروف علما أن السعر لا يعكس بالضرورة وضع أو صحة الاقتصاد.  لا بد من الانتقال مع الوقت، أي مع تعزيز الاستقرارين السياسي والاقتصادي، الى سياسة سعر الصرف الحر «الذكية» اذ تبين لنا في لبنان مدى تكلفة السياسة الحالية المتبعة منذ التسعينات.  يصبح دور السياسة النقدية عندها مكافحة التضخم أي الدور الطبيعي والصحي لأي سياسة نقدية حديثة.  فالأزمات النقدية تحدث خاصة في الدول التي تعتمد سياسة سعر الصرف الثابت أو المجمد.  لا تعني سياسة سعر الصرف الحر «الذكية» مطلقا تركه عرضة لتقلبات العرض والطلب، انما تسمح لسعر الصرف بالتحرك ضمن هوامش يحددها المصرف المركزي فتستوعب الخضات الاقتصادية.
في الميزان الخارجي، لا بد من تخفيف عجز الميزان التجاري عبر تشجيع الصادرات وتخفيض الاستيراد وهذا لن يتم قبل أن يتعزز الانتاج الداخلي المرتبط بالانتاجية والمناعة.  هنالك ضرورة لاستقبال استثمارات ورؤوس أموال جديدة، لكن هذا لن يتحقق قبل تنفيذ الاصلاحات المصرفية المعروفة وحماية كل الودائع.  أما في التجارة الدولية.  فلا بد من تعزيزها بالاتجاهين لتأثيرها الايجابي على النمو.  بعض قطاعاتنا بحاجة الى الاهتمام من قبل القطاع العام كي تتحسن انتاجيتها وتنافسيتها.  ضمن هذا الاهتمام، تقع السياسات الكهربائية والمائية الصحيحة كما التعريفات المتنوعة وبينها في الاتصالات والتي يجب النظر في مستوياتها بكل موضوعية.