كعادتها في المراحل الدقيقة التي يمر بها البلد، أجرت «الدولية للمعلومات» إستطلاعاً شاملاً حول المتغيرات التي حصلت في توجهات الرأي العام اللبناني بعد حربين متواليين، خاصة من المسائل المطروحة في العلاقات مع الطرف الإسرائيلي، من مفاوضات مباشرة، وإعلان رسمي عن إستعداد لسلوك طريق السلام وإنهاء حالة العداء، وصولاً إلى طرح ما كان حتى الأمس القريب من المحرمات، مثل التطبيع وتبادل السفارات بين بيروت وتل أبيب، وقبل كل ذلك الموقف من سلاح حزب الله.
حلقة النقاش التي نظمها الزميل جورج صليبي على شاشة «الجديد» مساء الأحد لم تكن كافية لسبر أغوار هذه الدراسة الهامة بسبب ضيق الوقت، وتفرع المناقشات إلى موضوعات تركز على خيارات الطوائف، وبالتالي فإن الدراسة تحتاج إلى مزيد من البحث والإستطلاع.
أول ما يلفت في الدراسة، بقراءة سريعة، هو حجم العينة الكبير نسبياً، إذ شملت ألفي شخص موزعين على مختلف المناطق والطوائف، مع هامش خطأ مقبول يبلغ 3.2 بالمئة. كما أن الدراسة تعطي أهمية واضحة للتوزيع الطائفي والفئوي العمري، ما يسمح بإظهار الفوارق الدقيقة داخل المجتمع اللبناني بدل الاكتفاء بالأرقام العامة.
ومن أبرز نقاط القوة أيضاً أن الدراسة تكشف تحولات فعلية في المزاج اللبناني، لا سيما ارتفاع نسبة المؤيدين للتفاوض المباشر مع إسرائيل إلى نحو 49 بالمئة، مقابل 44.5 بالمئة من المعارضين. كذلك تُظهر الدراسة ارتفاع التأييد لفكرة اتفاقية سلام مع إسرائيل مقارنة باستطلاع سابق أُجري في آب 2025، حيث ارتفعت النسبة من 25 بالمئة تقريباً إلى حوالى 49 بالمئة. وهذا التطور يشكّل مؤشراً مهماً على تبدّل تدريجي في بعض المزاج اللبناني تحت ضغط الحرب والانهيار الاقتصادي، والخوف من استمرار الصراع.
كما تُحسب للدراسة جرأتها في التوقف عند الانقسام الجيلي، وهي نقطة غالباً ما تغيب عن استطلاعات الرأي اللبنانية. فالنتائج تظهر بوضوح أن الفئات الشابة أكثر تشدداً تجاه إسرائيل، وأقل حماسة للتطبيع أو للتفاوض المباشر، بينما ترتفع نسب التأييد للتسويات السياسية كلما ارتفع العمر. وهذه ملاحظة ذات قيمة سياسية واجتماعية لأنها تكسر الصورة النمطية التي تفترض أن الأجيال الجديدة أكثر ميلاً تلقائياً إلى الانفتاح السياسي، وإلى الحلول التي تؤمن الإستقرار.
لكن الدراسة، رغم أهميتها، لا تخلو من نقاط قابلة للنقاش.
أولى الملاحظات أن معظم الأسئلة تتناول قضايا شديدة الحساسية والانقسام، مثل السلام مع إسرائيل أو نزع سلاح حزب الله، من دون شرح كافٍ للسياقات أو الشروط المحتملة. فمثلاً، سؤال توقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل لا يوضح ما إذا كان السلام مشروطاً بانسحاب إسرائيلي كامل أو بحل قضية اللاجئين أو بترتيبات أمنية معينة. وبالتالي فإن الإجابات قد تعكس ردود فعل عاطفية أو آنية أكثر مما تعبّر عن مواقف سياسية متماسكة.
ومن النقاط التي تستحق النقاش أيضاً أن الدراسة تعتمد بشكل كثيف على التصنيف الطائفي، إلى درجة تجعل لبنان يبدو وكأنه مجموعة «رأيّات طائفية» منفصلة أكثر من كونه مجتمعاً سياسياً واحداً. صحيح أن هذا الانقسام واقعي إلى حد بعيد، لكن التركيز المفرط عليه قد يعزز الانطباع بأن كل طائفة تمتلك موقفاً سياسياً مغلقاً وثابتاً، بينما الواقع أكثر تعقيداً.
الواقع إن الدراسة مهمة لأنها ترصد لحظة تحوّل حقيقية داخل المجتمع اللبناني، وتكشف أن الاصطفافات التقليدية ما زالت قائمة، لكنها بدأت تشهد تصدعات وتبدلات تدريجية، خاصة لدى بعض الفئات العمرية والطوائف.