كيف نعمل من أجل حقوق الطفل والمرأة، وندعم الأمهات بمؤسسات دولية، بينما هذه المؤسسات نفسها تغض الطرف عن الجرائم التي تُرتكب بحق الأمهات والأطفال أمام أعين العالم؟! كيف تبرر هذه الدول – التي تدّعي الدفاع عن الحقوق – المجازر اليومية ضد الأبرياء، وتسوّق لها كأنها مجرد أرقام؟
لا أريد أن أتحدث بلغة العنصرية، لكن الحقيقة الصادمة أن العنصرية الحقيقية تمارسها الدول التي ترعى هذا الإرهاب بعينه، تلك التي تُقسّم الإنسان وفقاً لهويته وعرقه، فتمنحه الحقوق متى شاءت وتسلبها منه متى أرادت!
صدقاً أخجل من نفسي في كل مناسبة أحتفل بها، لأن هناك أمهات في وطني لبنان يعشن الموت يوميًا، بين قتل وتهجير وحرمان وتعذيب. كيف لي أن أعيش لحظة فرح، بينما أمهات بلدي يبحثن عن أبنائهن تحت الأنقاض؟ كيف أحتفل بينما أمهات في أرضي يقفن عاجزات أمام جثث صغارهن الذين قتلوا دون ذنب؟ كيف أتنفس الحياة بينما هناك من يُحرم حتى من حق البكاء؟
حاولت أن أكتب عن هول ما تعيشه الأمهات اللبنانيات وخاصة الجنوبيات، لكني كلما حاولت، شعرت أن كلماتي ضئيلة أمام هذا الإجرام. كل ما قيل عن الأمومة عبر التاريخ بات تافهًا مقارنة بما تقدّمه أمهات لبنان وغزة من صبر وتضحية وثبات. أي دروس بعد اليوم يمكن أن تُكتب عن الأمومة، وهذه الأمهات يعشن أقسى اختبار قد يمر به إنسان؟
كل صباح، أتردد في متابعة الأخبار، أخشى رؤية المزيد من المجازر، لكنني أصرّ على المشاهدة علّني أسمع خبرًا عن وقف هذه المذابح. لكن يا الله، كيف يمكن أن يقف العالم مكتوف الأيدي؟ كيف يمكن لمن يدّعون الحضارة والتقدم أن يجدوا تبريرات للذبح والاغتصاب والدمار وسرقة الأعضاء وهدم المدن والمستشفيات ودور العبادة؟ كيف يُبثّ هذا الرعب على الهواء مباشرةً، ويظل العالم صامتًا، بل ويدافع عن القاتل؟
تستفزني أمومتي أمام هذه المشاهد اليومية، تستفزني إنسانيتي، وإن لم أصرخ عاليًا دفاعًا عن الطفولة والأمومة والإنسانية، أكون قد خنت كل ما ناضلت لأجله طوال حياتي!
ما هذا الانفصام الذي نعيشه؟! كيف نقنع أنفسنا أننا نعمل من أجل الحقوق، بينما نراها تُسحق أمام أعيننا؟ هل نحن بشر مثلهم؟ هل نملك حق الحياة، أم أننا مجرد أدوات تُستخدم لحماية حقوقهم فقط؟ هل يحق لنا أن نصرخ، أم أن عقابنا سيكون العزلة والصمت المفروض؟
إلى الأمهات اللبنانيات والفلسطينيات،
لا يوجد كلام يقوى على مواساتكن، ولا تعزية تليق بحجم مأساتكن، لكنني مؤمنة أنكن لستن بحاجة إلى عزاء، فأنتن أيقونات للصبر، ومشاعل للنور في زمن الظلام. رب العالمين لم يصوركن عبثًا في أبهى صورة للأمومة، بل جعلكن القدوة لكل أم على وجه الأرض!
«وما بين غمضة عينٍ والتفاتتها يُبدّل الله من حالٍ إلى حال»
خلود وتار قاسم