بيروت - لبنان

اخر الأخبار

3 حزيران 2026 12:20ص حروب العاجِزيْن والواقعية السياسية

حجم الخط
يشكّل اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فرصة نادرة لكسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها المواجهة بين حزب الله وإسرائيل منذ ما يقارب السنتين. غير أن نجاح هذه الفرصة يبقى رهناً بترجمتها سريعاً إلى خطوات عملية على الأرض، تشمل كامل الأراضي اللبنانية، حتى لا تلقى مصير الاتفاقات السابقة التي بقيت حبراً على ورق تحت وطأة الخروقات الإسرائيلية واستمرار العمليات العسكرية.
فالواقع الميداني الذي أفرزته الحرب الطويلة يكشف حقيقة بات من الصعب تجاهلها: لا حزب الله تمكن من فرض معادلة عسكرية تفضي إلى إجبار الجيش الإسرائيلي على الانسحاب الكامل من المناطق التي توغل فيها أو منع اعتداءاته المتكررة على الأراضي اللبنانية، ولا إسرائيل استطاعت تحقيق أهدافها المعلنة بالقضاء على الحزب أو نزع سلاحه أو إنهاء قدراته العسكرية.
لقد تحولت المواجهة تدريجياً إلى حرب استنزاف مكلفة للطرفين. فالجنوب اللبناني تعرض لدمار واسع، وتكبد اللبنانيون أثماناً بشرية واقتصادية باهظة، فيما عاش سكان المستوطنات الشمالية الإسرائيلية حالة من عدم الاستقرار والخوف المستمر، واضطرت إسرائيل إلى تخصيص موارد عسكرية وأمنية ضخمة لمواجهة تهديد لم تتمكن من إنهائه، رغم تفوقها العسكري والتكنولوجي الكبير.
هذه الوقائع تطرح سؤالاً أساسياً: إذا كان كل طرف قد عجز عن تحقيق أهدافه الاستراتيجية، فما الجدوى من الاستمرار في الرهان على الحسم العسكري؟ فالتجارب السابقة في المنطقة أثبتت أن الحروب قد تغيّر موازين القوى أحياناً، لكنها لا تنجح دائماً في فرض حلول سياسية مستدامة، خصوصاً عندما يكون الخصمان قادرين على مواصلة القتال، دون حسم المعركة، وإن اختلفت قدراتهما وإمكاناتهما العسكرية والتكنولوجية. 
من هنا، قد يكون اتفاق وقف النار الحالي مناسبة لمراجعة الحسابات لدى الجانبين. فإسرائيل مطالبة بالإقرار بأن القوة العسكرية وحدها لم تنجح في فرض شروطها أو إزالة التهديد الذي تعتبره قائماً على حدودها الشمالية. وفي المقابل، يواجه حزب الله استحقاقاً لا يقل أهمية، يتمثل في قراءة التحولات التي طرأت على البيئة اللبنانية الداخلية وحجم الأعباء التي ترتبت على استمرار الحرب، وما إذا كانت المصلحة الوطنية تقتضي الانتقال من منطق المواجهة المفتوحة إلى منطق تثبيت الاستقرار.
إن الاعتراف المتبادل باستحالة الحسم لا يعني انتصار أحد أو هزيمة الآخر، بل يشكل نقطة انطلاق نحو مقاربة أكثر واقعية. فالهدوء المستدام على جانبي الحدود لا يمكن أن يتحقق عبر جولات جديدة من الاستنزاف، بل من خلال تفاهمات واضحة تضمن الأمن، وتفتح الباب أمام إعادة الإعمار، واستعادة الحياة الطبيعية للسكان الذين دفعوا ثمن الحرب من أمنهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم.
وفي ظل الإنهاك الذي أصاب الجميع، قد تكون الواقعية السياسية اليوم أكثر جدوى من أوهام الانتصار الكامل التي أثبتت الجولات الميدانية أنها بعيدة المنال.