بيروت - لبنان

اخر الأخبار

5 كانون الثاني 2026 12:00ص لماذا نستبدل العلم بالتنجيم

حجم الخط
بما أنّنا في بلدٍ خالٍ من مؤسّساتٍ ناظمةٍ يسودها القانون، بما أنّنا في بلدٍ محرومٍ من مراكز أبحاثٍ علميّة تُنتج المعرفة وتفتح أبواب التطوير والتقدّم، بما أنّنا في بلدٍ واقعٍ تحت لعنة الجغرافيا وصراعاتها، بما أنّنا في بلدٍ تائهٍ في أزماتٍ متراكمة: اقتصاديّة، سياسيّة، اجتماعيّة، بيئيّة، أمنيّة، قضائيّة… إلى ما لا نهاية، وبما أنّنا في بلدٍ لا يستعين بالخبرات لبناء الحلول ولا يحترم العلم ولا التخطيط، إذن، لا بدّ لنا – وكأنّه قدرٌ لا فكاك منه – أن نستعين بالمُبصّرين والمنجّمين، وبكلّ من يتقن بيع الوهم، من مدسوسين واستغلاليّين ومُدمّرين.
والأنكى من كلّ ذلك، أنّنا لا نكتفي بالاستماع إليهم، بل نتعلّق بحبالهم الهشّة، ونمنحهم صكوك الخلاص، ونحمّلهم آمال شعبٍ مُنهك، كأنّهم وحدهم مفاتيح الغد.
لكن السؤال المشروع:
هل ما ينشره هؤلاء مبنيّ على معرفة ومعطيات ومسؤوليّة؟
أم أنّ «السلام على اسمهم» يأتيهم الوحي ليُنبّئهم بالمستقبل؟
أم أنّنا، ببساطةٍ مُخيفة، نعيش في وطنٍ مُخطَّط له، تُدار فيه المشاعر كما تُدار الأسواق، وتُضَخّ المعلومات – أو الإيحاءات – لتوجيه الرأي العام نحو مسارٍ معيّن، في لحظةٍ معيّنة، وبهدفٍ معيّن؟
فكّروا معي… ولو لمرة.
حين يغيب العقل المؤسّسي، ويُهمَّش العلم، وتُقصى الخبرات، لا يبقى في الساحة سوى الضجيج.
وحين يصبح الضجيج مرجعيّة، يتحوّل الخوف إلى أداة، والأمل إلى سلعة، والناس إلى جمهورٍ يُساق لا شريكٍ يُسأل.
السؤال ليس عن المشعوذين، ولا عن غيره.
السؤال أعمق وأخطر:
من نكون نحن، حين نستبدل البحث بالحدس، والمعرفة بالتكهّن، والمحاسبة بالتصفيق؟
وأيّ وطنٍ ننتظر، إذا كنّا ما زلنا نبحث عن خلاصٍ خارج الدولة، وخارج العقل، وخارج الحقيقة؟
صباحنا بحاجة لصعقة وعي.

خلود وتار قاسم