ذكرت مجلة «الفوائد» في 26/3/1932 ان ورثة إبراهيم باشا المصري يطالبون بإرث عظيم في بيروت وان الأمير عمر بن طوسون كبير أمراء البيت المالك في مصر عزم على إقامة الدعوى على بلدية بيروت باسمه واسم ورثة إبراهيم باشا ابن محمد علي الكبير مطالبا بملك حرج الصنوبر الكائن جنوب المدينة وهو الحرج الذي تؤجر منه البلدية قطعة شرق السباق. وقد كتبت «النداء» اليومية ان أحد المصريين جاء بيروت منذ أسبوع وأخذ يبحث في بعض الشؤون المهمة المتعلقة بهذه الدعوى ليوافي بها سمو الأمير قبل طرحها على بساط البحث أمام القضاء.
وذكر ان أمراء البيت المالك وجدوا بين أوراقهم الخاصة مستندات يتبيّن منها ان الحرج كان ملكاً لجدّهم إبراهيم باشا الذي اجتاح بجيوشه الجرّارة هذه البلاد في أواسط القرن الماضي وانه اشتراه بماله الخاص من أحد وجهاء بيروت في ذلك الزمن وغرس فيه أشجار الصنوبر من ماله الخاص، وتتناول دعوى الأمراء الحرج بكامله من مكان سباق الخيل الى بئر حسن.
وقد نفت بعض المقامات ذات الشأن هذه الرواية وانها لم تتلقَّ إشعارات رسمية. يقول أحد العارفين بدقائق هذه القضية المرسلة من وزارة المالية لم تقل انها وهبته للبلدية بل قالت انها تركته لها تركاً. ورد في العقد بين البلدية وشركة السباق نص ان الحرج متروك للبلدية بموجب الإرادة السنية، ولا شك ان كلمة «المتروك» سوف تلعب دوراً خطيراً في الدعوى من الوجهة القانونية وستكون مجالاً للتأويل. وهناك نقطة قانونية خطيرة وهي ان إبراهيم باشا استولى على أراضي الحرج استيلاء بقوة الفتح؟ أم اشتراها بماله الخاص؟ وهل كان في ذلك العهد ثائراً محروماً من حقوقه المدنية أم كانت له حكومة معترف بها رسمياً؟، وهذه النقاط سوف يتعب لها القضاء في استجلائها لمرور الزمن الطويل.
تاريخ غابة صنوبر بيروت
دخل إبراهيم باشا في 2 نيسان 1832 الى بيروت من باب الدركاه يرافقه العدد الكبير من القواد العسكريين والمستشارين الفرنسيين. وكان أول عمل قام به إنشاء «مجلس شورى بيروت» من اثني عشر عضوا من أهل المدينة الذين هم أدرى بشعابها، ستة من المسلمين هم ناظر المجلس (أي رئيسه) عبد الفتاح آغا حمادة وعمر بيهم الكبير وأحمد العريس (زنتوت) وحسن البربير وأمين آغا رمضان وأحمد جلول. وستة من المسيحيين هم جبرائيل حمصي وبشارة نصر الله وإلياس منسى وناصيف مطر ويوسف عيروط وموسى بسترس.
وقد نشر الدكتور أسد رستم في «مجموعة الأصول العربية لتاريخ سورية في عهد محمد علي» (مجلد 18) بعض وثائق تبيّن ان عبد الفتاح حمادة كان يلقّب «بسر بوابين دركاه عالي شان متسلم بيروت». وقد وجد البعض في المجلس المشار إليه شكلاً مبكراً من أشكال المجالس البلدية مع ان اختصاصاته كانت برأينا تتعدّى النطاق البلدي لتتناول النظر في الأموال الأميرية وقضايا ملكية الأراضي وإعطاء المقاولات والتلزيمات وكذلك وضع الأنظمة المالية والجمركية وغيرها. ويتضح من بقايا محاضر مجلس شورى بيروت التي نشرها الدكتور أسد رستم ان المجلس تولّى النظر في القضايا التجارية الخاصة بالأجانب وفي الافلاسات.
وكان عبد الفتاح حمادة قد قدم الى طرابلس فبيروت حوالي سنة 1807م من الاسكندرية إثر دخول الانكليز إليها مع وفد كبير كان من ضمنه عالم الاسكندرية الشيخ محمد المسيري الاسكندري الذي درّس التفسير في الجامع العمري الكبير وقد توفي في بيروت ودفن في مقبرة السنطية وجرفت رفاته مع جرف المقبرة.
إنجازات إبراهيم باشا في بيروت
قيل الكثير عن إنجازات فترة حكم إبراهيم باشا ولعلّ أهمها توطيد الأمن وإنشاء المحجر الصحي أي الكرنتينا بمسعى من قنصل فرنسا. إلّا ان أمرين لم ينالا الاهتمام اللازم عنيت بهما وضع التعليم والمدارس وتنظيم ورعاية الأوضاع الطبية والصحية للسكان. وختاماً لا بد من إبداء رأي قد لا يعجب البعض وهو ان التدابير التي قرّرها متسلمو السلطة خلال فترة إبراهيم باشا إضافة الى تدخّل القناصل والمستشارين في الحياة الاجتماعية للسكان والتسرّع بفرض وإباحة ما يتعارض مع العادات والتقاليد لا سيما في دمشق والذي استمر عنوة حتى سنة 1840 أدّت بعد خروج القوات المصرية الى اشتعال الفتنة الطائفية في دمشق وجبل لبنان والتي تصاعدت حدّتها حتى انفجرت سنة 1860 في حين بقيت بيروت بمنأى عنها (سياسة النأي بالنفس قديمة) لأن المجتمع البيروتي كان ولا يزال محصّناً ضد الطائفية والمذهبية والعنصرية كما سنبيّنه في محله.
بيروت وغابتها الصنوبرية توأمان
قيل إن اسم المدينة القديم كان بيريت أو بروتا ويعني الصنوبرة، والغابة قديمة قدم سميّتها. وكان كل من دخل حمى المدينة ادّعى زرع أشجار الغابة مــــن فخر الدين المعني الثاني الذي أعدمه العثمانيون سنة 1634م إلى إبراهيم باشا ومنهم من نسب ذلك الى الفرنسيين سنة 1860م أو الى محمود نامي بك محافظ بيروت سنة 1832م وغيرهم، وكل منهم ادّعى وصلاً بليلى وليلى عصيّة على الإنتساب.
وفي حوادث سنة 1772م أن ألأمير يوسف الشهابي أرسل أحمد باشا الجزار الى بيروت للمحافظة عليها فحضر ومعه مئات من الفرسان والمشاة المغاربة ولدى وصوله إلى غابة الصنوبر مرّ بميدان «البلشة» فأطلق عليه النار رجل مغربي يقال له أبو عقلين فانجرح جرحاً مؤلماً وروي بأن ذلك كان من تدبير أحد الأمراء الشهابيين.
والبلشة مشتقة من بلاش الآرامية السريانية وتعني ضرب وأوقع في مشكلة وفي عامية بيــــــــــروت: شو هالبلبشة؟ ولا تبلشني هالبلشة.
وإذا كانت غابة بيروت قد أمدّت المحاربين الصليبيين والمماليك والعثمانيين وغيرهم بالأخشاب اللازمة لصنع المعدات والسفن الحربية، وإذا كانت ضرورات الحرب العالمية الثانية وحاجة الجيش الإنكليزي والفرنسي قضت بقطع أشجار الغابة والإستعانة بحطبها، فإن البيارتة حافظوا على حق الغابة عليهم فحموها واتخذوها منتزهاً وتمتعوا بهوائها العليل الجاف وحفر شبانهم على جذوع أشجارها قلوباً يخترقها سهم كيوبيد ودوّنوا عليها أسماء محبوباتهم.
في سنة 1825م نزل الشيخ محمد الخضار التونسي ضيفاً على قاضي بيروت ومفتيها الشيخ أحمد الأغر ثم توجها إلى حرج الصنوبر للنزهة وجرت بينهما مطارحات شعرية (ذكرناها في كتابنا «البيارتة») منها قول الشيخ الأغر:
يا دوحة الحرش أنتي الأنس والجان
لعين بيروت فيكي نزهة الزمان
فلا تزالي لأهل الشوق والوجدان
جنات عدن ومأوى الحور والولدان
وفي سنة 1832م زار الشاعر الفرنسي لامارتين غابة صنوبر بيروت فرأى فيها منظراً يبهر البصر ويخلب اللّب وقال «ولعمر الحق ان هذه الغابة لهي أجمل وأبدع ما وقعت عيني عليه في حياتي». وفي سنة 1866م تمّ سوق الفرق العسكرية الى سهل الحرج لإجراء تدريباً نارياً من المدافع بحضور الرؤساء والعلماء وجمهور الأهالي. وكان مقدّراً لغابة الصنوبر أن تنتظر حتى سنة 1879م عندما عيّن فخري بك إبن محمود نامي بك رئيساً لبلدية بيروت.
محيي الدين حمادة والحديقة الفاروقية في الغابة
ولد فخري بك في بيروت وعرف أهمية غابة الصنوبر واستفاد من صداقته لوالي سورية أبي الإصلاح مدحت باشا من جهة ومعرفته بمتصرف بيروت رائف بك من جهة ثانية، وبناء لمسعى فخري بك معهما تقرّر في حزيران سنة 1879م ضم غابة الصنوبر الى بلدية بيروت. ولم يتمكن فخري بك من تحقيق حلمه بتحويل الحرج الى حديقة، فبعد أن نظم ساحة البرج وشجّرها وحوّلها إلى حديقة متبرّعاً بمبلغ كبير من جيبه الخاص، اضطر إلى الإستقالة من البلدية إثر استدعاء الوالي مدحت باشا الى الاستانة ثم إقالته. فتمّ تعيين محيي الدين عبد الفتاح آغا حمادة رئيساً للبلدية فقام سنة 1881م بالتعاون مع محمد أمين قومندان فرقة بيروت بإنشاء حديقة في أول حرج بيروت سُمّيت «بالفاروقية» وأمرت الموسيقى العسكرية بان تحضر الى الحديقة يومي الجمعة والأحد من الصباح حتى المساء. كما قامت البلدية برش طريق المنتزه وترطيبه بالماء. وقد زار بيروت سنة 1884م عبد الرحمن بك سامي وهو من أعيان المصريين وذكر في كتاب أصدره عن رحلته قوله «أنه ركب العربة مع محيي الدين حمادة ونجله الأديب وسار الى منتزه الحرش وهو غاب كبير ينقّي هواء المدينة وما جاورها ويمنع تقدّم الرمال».
وقد جرت العادة بعد ذلك كما ورد في أخبار سنة 1898م أن تقام ولائم سنوية للجنود السلطانية في فصل الربيع في الحديقة الفاروقية في غابة الصنوبر فيحضرها الوالي ورجال الدولة وتقدّم لحوم الحملان والحلويات وتصدح الموسيقى العسكرية بألحانها كما يصدح جوق من الآت الطرب المصري بالأنغام الشجيّة.
تنظيم الغابة: عدد أشجارها، تلزيم ورقها أي «السيكون»
قيل يومها ان الغابة كانت تمتد جنوباً حتى الشويفات وغرباً حتى ساقية الجنزير. وكانت تمتد غرباً حتى قرية حنتوس ومقام الإمام الأوزاعي، وكان يقولون عنها «غوابي الجامع»، غوابي جمــــع غابة. شهدت أحداثاً ووقائع عديدة. ففي ظلالها عقدت اجتماعات وجرت مفاوضات ومناوشات بين القواد والحكام والجيوش.
وكان طول الغابة نحو نصف ساعة وعرضها خمس دقائق وأن عدد أشجارها نحو أربعة ملايين شجرة. وقد اشترط على البلدية في حينه أن تنظّمها لاستعمالها كحديقــة. وكانت البلدية ترعى باستمرار أحوال غابة الصنوبر. ففي سنة 1898م طرحت مزايدة لقطع وبيع أشجار الصنوبر اليابسة ضمن الحرج وكان عددها 119 شجرة صغيرة و74 شجرة وســـــط و78 شجرة كبيرة ورست المزايدة بسعر 4 قروش و15 بارة للشجرة الواحدة. كما كانت الإدارة تتقاضى رسماً سنوياً عن كل مائة كيلو من السيكون (ورق الصنوبر) الذي كان يحرقه أصحاب الفواخير. وقد شكّك البعض سنة 1911م بان الدائرة حدّدت وزن الحمل بخمسين كلغ وهو نحو مائتين؟! إلّا أن الدائرة البلدية عرضت سنة 1900م تلزيم غرف السيكون والحطب من الحرج بسعر الحل من الغرف خمس قروش وقنطار الحطب 13 قرشاً.
حرش العيد وتقاليد بيروتية
وكان العيد مناسبة لإحياء حرج الصنوبر فكانت العادة قديماً أن يحتفل أولاد بيروت بالعيد في ساحة عصور (ساحة رياض الصلح) التي كانت ساحة رملية تغطي أشجار الجميز بعض جوانبها وكانت تنصب فيها القلابات والأراجيح الى أن كانت سنــــة 1905م عندما لفت الشيخ أحمد طبارة الى ما كان يحدث في تلك الساحة من أمور مغايرة للشرع كلعب القمار والتبرّج والتهتك واستعمال البعض الحيل لابتزاز ما لدى الأولاد من قروش. ولفت الشيخ أحمد انتباه الأهالي الى محلات أماكن الحرج. ثم نقلت الاحتفالات الشعبية بالعيد الى ذلك المكان وأصبح مصطلح «حرش العيد» يعني الإحتفال بالعيد في الحرش حيث تنصب الأراجيح ويردد الأولاد أغنيات «يا ولاد محارم يويو» (التي جعل منها رئيس البلدية الأسبق محمد عبد الله بيهم الملقّب بالصارخ المكتوم أغنيات تثقيفية فطبعها على أسطوانات ووزعها في البلاد كما ذكرنا تفصيلاً في كتابنا عنه). وينتشر في حرش العيد باعة الكبيس والشمندر والترمس والفريسكو والمعلل بيعلك والتفاح المغطس بالسكر المذاب، الى جانب البصّارة البرّاجة التي تشوف البخت ومرقّص القردة والعنزة وأيضاً صندوق الفرجة الذي يتزاحم الأولاد على بلوراته لرؤية عنترة وعبلة والزير. وأصبح الاجتماع في غابة صنوبر بيروت مناسبة لتبادل القال والقيل. فشاع التهديد بالنشر على صنوبر بيروت والبيارتة يجعلون الصاد في صنوبر سيناً فيقولون سنوبر بيروت ويجعلون السين في عالسور صاداً فيقولون عصّور، مثلما يلفظ بعضهم التاء في توفيق طاء والطاء في بطيخ ومطبخ تاء. ويستثقلون من لفظ الدال مع السين فحندس تصبح حنتس ودمشقية مشقية (علماً بأنه توجد عائلة بيروتية قديمة تحمل الشهرة مشقية).
روي ان شابا التقى بشابة في الغابة واتفقا على موعد بعد سنــة ولما عاد الشاب وجد الصبية قد نكثت بوعدها فنظّــــــم حليم دموس سنة 1924م في هذا الأمر قصيدة بعنوان «في غابة بيروت» ختمهــا بقوله:
عاشقان التقيا في غابة
وبعيد العام فيها افترقا
هكذا الدهر: لقاء في الهوى
وافتراق بعد ذيّاك اللقا
عرف جلّ في محلة المصيطبة بإسم «جلّ السنوبرة»، وعرفت محلة في رأس بيروت «بمحلة السنوبرة». ومن الطريف أن نشير أن أهل بيروت يستعملون عبارة «سنوبر بيروت» بمعنى غابة الصنوبر، وهم يلفظون الصاد سيناً على عادتهم بترقيق الحروف المفخّمة وتفخيم الحروف المرقّقة (يقولون عصّور بدل السور (سميت ساحة رياض الصلح ساحة السور لمجاورتها سور المدينة القديم). ومن أمثالهم عندما يريدون تهديد أحد الأشخاص بفضح أخباره السيئة على الملأ «بدي انشرك على سنوبر بيروت». لأن غابة الصنوبر كانت مقصد البيارتة للنزهة وكان يتم فيها التندّر بالأخبار الاجتماعية أي القيل والقال.
والعامة تسمّي الغابة الحرش بدل الحرج.
ونسجل لرئيس مجلس بلدية بيروت السابق الدكتور بلال حمد اهتمامه بحديقة سنوبر بيروت ورعايتها وإصراره على إعادة الفرح والبهجة إليها وإلى الأولاد رغم الصعاب وبثبات كثبات الصنوبر.
* مؤرخ